وقد ألب هذا قلوب بعض الحاسدين عليه، فغاروا، وتكلموا، وسبوه، واتهموه، وقالوا: فيه ما قالوا، أغروا به السلاطين -كما سبق- فضرب، وجلد، وسجن، وأوذي، ومنع فترة من التعليم، ولكن لم يفلحوا، فما زاده هذا إلا شموخا ورفعة ومكانة عند المسلمين.
فلجئوا إلى أمر آخر، وهو التشهير والوشوشة حول سمعة الإمام مالك، وعلم مالك، من هو مالك؟ وماذا قال مالك؟ حتى إن الإمام مالكًا قال يومًا من الأيام لـ مطرف: ماذا يقول الناس فيّ؟ قال له: يا إمام أما الصديق فيثني عليك خيرًا، وأما العدو فيقع فيك ويطعن في عرضك، فقال الإمام مالك: [[الحمد لله الحمد لله، مازال الناس كذلك ولكن نعوذ بالله من تتابع الألسنة كلها] ] .
إذا مت كان الناس صنفين شامتًا وآخر مثنيًا بالذي كنت أصنع فالناس ما اتفقوا على أحد، إلا أن يتكلموا في هذا أو ذاك، أو ينتقدوه أو ينتقصوه، فالإمام مالك يقول: لا ضير عليّ أن ينال مني عدوي، المهم أن الناس لم يجتمعوا عليّ ولم تتابع ألسنتهم كلها عليّ، ولم يكن ذلك؛ لأنه يكره الذم، أو يخاف أو يحب المدح لذاته؛ ولكن لأنه يروي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول: {أنتم شهداء الله في أرضه} فإذا أثنى عليك أهل الخير أو جلهم، كان ذلك عربونًا ودليلًا على قبولك عند الله، إن شاء الله تعالى.
ولذلك جاء رجل فسأل الإمام مالكًا عن مسألة -من هؤلاء الناس الذين يأخذون ببنيات الطريق، وهمهم إثارة التشويش- فأجابه بما يعلم، فماذا كان رد هذا الإنسان؟ قال لـ مالك: أنت من الناس، أحيانًا تخطي وأحيانا لا تصيب، قال له الإمام مالك: صدقت، هكذا الناس، ما تفطن الإمام مالك؛ لأن الإنسان الكريم الشريف صاحب المروءة، وصاحب المقام، وصاحب الإعراب، لا يلتفت إلى أساليب الغدر، وأساليب اللف والدوران والطي والنشر، يأخذ الأمور على ظاهرها، وعلى الجادة وليس لديه استعداد للدخول في مهاترات، فلما قال هذا الرجل لـ مالك: أنت من الناس أحيانًا تخطي، وأحيانًا لا تصيب، ظن الإمام مالك أنه يقول: أحيانًا تخطي وأحيانًا تصيب، فقال له: صدقت، هكذا الناس، فلما ذهب الرجل قال التلاميذ للإمام مالك: ألم تعِ ما قال؟ قال: ماذا قال؟ قالوا: إنه يقول لك: أحيانًا تخطي، وأحيانًا لا تصيب، يعني: كأنه يرى أن الإمام مالكًا ما أصاب يومًا من الأيام، فقال لهم الإمام مالك: [[أنا عهدت العلماء لا يتكلمون بمثل هذا الكلام، وإنما أجيب على جواب الناس] ] أي: ما عهدت أحدًا من أهل العلم يتهم الإنسان بأنه لا يصيب أبدًا؛ لأنه ما من إنسان إلا ويؤخذ منه ويترك، كما كان مالك نفسه رحمه الله يقول:"ما من أحد إلا ويؤخذ من قوله ويترك إلا صاحب هذا القبر"ويشير إلى قبر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فهو يرى أن البشر يجتهدون، فيخطئون ويصيبون، فإن اجتهدوا فأصابوا فلهم أجران، وإن اجتهدوا وأخطئوا فلهم أجر واحد، على حديث عمرو بن العاص المتفق عليه.