من الوسائل الموهوبة هي: شهوة العلم، أو ما عبر عنه الشاعر بالحرص على طلب العلم والحرص -أيها الإخوة- في غاية الأهمية ولذا يلاقيني -في واقع الحياة كثير- من الأشخاص يكون لدى الواحد منهم عقليةً ممتازة، وذاكرةً جيدة، حتى إنه قد يقرأ مثلًا رقم السيارة مرة واحدة فيحفظه بدون تكلف، وقد تجد الواحد منهم يحفظ مئات أو آلاف من أرقام التليفونات وغيرها، وتجد الواحد منهم يتمتع بقدرات قوية، جدًا؛ لكن مع ذلك تجد هذا الشخص يعيش على الهامش -كما يقولون- ليس له قيمة ولا شأن فتبحث لماذا؟ فتجد أن: الشرط الأول: موجود عنده، وهو: قوة الاستنباط ووجود عقلية ممتازة لديه.
والشرط الثاني: وهو الذاكرة القوية موجودة عنده أيضًا.
ولكن اختفى عند هذا الشخص الشرط الثالث: وهو الحرص أو شهوة العلم.
والمقصود بشهوة العلم أن يكون لدى الإنسان رغبةً نفسية في الطلب والتحصيل، ولا شك أن الإنسان يستطيع أن يُنمَّي هذه الرغبة، وخاصة المسلم حينما يقرأ النصوص الواردة في فضل العلم والعلماء، ومكانتهم في الدنيا والآخرة، فتنمو لديه هذه الرغبة؛ لكن ما لم توجد الرغبة أصلًا فإن هذا الإنسان قد لا يواصل في طلب العلم، وقد لا يبلغ فيه مبلغًا عظيمًا، فوجود رغبة فطرية في طلب العلم، شرطٌ أساسيُ وهذا الشرط يحقق لك فوائد عديدة منها: أنه يحقق لك سرعة التحصيل، لأن الإنسان إذا كان لدية شهوةً في تحصيل هذا الأمر، فإنه يصل إلى ذهنه سريعًا.
وأضرب لذلك مثلًا: لو اُفترض أن مسألة ما أشكلت عليك وأنت -مثلًا- تؤدي عبادة من العبادات، وقعت في خطأ أو في مشكلة لا تعرف كيف الخلاص منها، ولا تعرف حكم الله وحكم الرسول صلى الله عليه وسلم فيها، فهنا وجد ما يسميه علماء التربية، وعلماء النفس المعاصرون"بالدافع"وجد دافعٌ نفسي عندك للتحصيل ومعرفة الحكم؛ فهذه الشهوة لتحصيل العلم، تجعلك حين تعرف الحكم تحفظه، ولا تنساه؛ لكن لو سمعت كلامًا طويلًا عريضًا في موضوع لا يهمك فسرعان ما تنسى هذه المعلومات، وتضيع منك.
إذًا: فشهوة العلم والحرص الحقيقي للعلم يحقق لك أولًا: سرعة التحصيل.
ثانيًا: ضبط وحفظ المعلومات الموجودة لديك، ولذلك فإن المعلم الناجح هو من يثير لدى الطالب الدافع الفطري للتحصيل، وأنتم تعرفون أن الرسول صلى الله عليه وسلم كان يستعمل هذا الأسلوب كثيرًا، من ذلك ما رواه مسلم في صحيحه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال يومًا لأصحابه: أتدرون من المفلس؟ قالوا: المفلس فينا من لا درهم له ولا متاع.
قال: إن المفلس من أمتي من يأتي يوم القيامة بصلاةٍ، وصيامِ، وصدقةٍ، وحجٍ، ويأتي وقد ضرب هذا، وشتم هذا، وسفك دم هذا، وأخذ مال هذا، فيعطى هذا من حسناته، وهذا من حسناته، فإن فنيت حسناته قبل أن يقضى ما عليه، أخذ من سيئاتهم فطرحت عليه، ثم طرح في النار .
مثال آخر حديث: {ألا أنبئكم بأكبر الكبائر} وهناك مثال آخر مشهور، وهو ما رواه الشيخان في صحيحيهما في قصة عبد الله بن عمر، لما كان النبي صلى الله عليه وسلم بين أصحابه وسألهم قائلًا: {إن من الشجر شجرةً لا يسقط ورقها مثلها مثل المسلم، أخبروني ما هي؟ فوقع الناس في شجر البوادي، قال عبد الله بن عمر رضي الله عنه: فوقع في نفسي أنها النخلة، فنظرت فإذا أنا أصغر القوم، فاستحييت، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: إنها النخلة، قال: يقول عمر رضي الله عنه: والله لو أنك قلتها لكان أحب إليَّ من كذا وكذا} .
المهم أن إثارة الدافع لدى المتعلم من أهم الوسائل في التحصيل، فهذا من فوائد وجود شهوة العلم، والرغبة في التحصيل.
ومن الفوائد أيضًا: قدرة المتعلم على تجاوز العقبات، لأن العلم يعترض تحصيله عقبات كثيرة، منها: عقبات من داخل النفس، وعقبات من البيت، وعقبات من المجتمع، وعقبات كثيرة، فالإنسان يتحرك بقدر الدافع، فإذا كان الدافع قويًا يمكن أن يتحرك الإنسان في طلب العلم إلى الموت، ولذلك سُئل عبد الله بن المبارك رحمه الله، وكان يحمل الدفاتر وينقل ويكتب العلم طيلة عمره، فقيل إلى متى يا عبد الله؟ قال: إلى الموت لعل الكلمة التي سأستفيد منها لم أسمعها بعد.
وهذا تطبيق عملي لقول الله عز وجل: {وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ} [الحجر:99] إذًا هذه ثلاث وسائل، هي في أصلها موهوبة، وإن كانت تنمى وتقوى لمن كان معه أصلها.
ننتقل بعد ذلك إلى الوسائل التي هي من عمل الإنسان وكسبه.