فهرس الكتاب

الصفحة 9491 من 10422

ثم طلب المنصور من الإمام مالك أن يكتب علمه، وبناءً عليه كتب الإمام مالك كتابه العظيم الشهير"الموطأ"، وظل يُقرأ عليه على مدى ما يزيد على عشرين سنة، ويصححه وينقحه، حتى وجد للموطأ ما يزيد على ثمانين رواية.

ولكن الغريب في موقف الإمام مالك: أنه لم يوافق أبا جعفر المنصور على حمل الناس على مذهبه، وقال له:"يا أمير المؤمنين! إن أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم تفرقوا في الأمصار، ونشر كل منهم علمه"، وفي رواية أن مالكًا قال له تلك الكلمة العظيمة المضيئة، التي تكتب بماء الذهب: [[يا أمير المؤمنين! لا تفعل] ]-يعني لا تحمل الناس بالقوة وبالسلطان، وبالنظام والقانون، على مذهبي ورأيي- لا تفعل، فإن الناس سبقت إليهم أقاويل، وسمعوا أحاديث ورووا روايات، وأخذ كل قوم بما سبق إليهم، وما أتوا به وعملوا بذلك ودانوا به، وكل ذلك من اختلاف أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم اختلاف من بعدهم من التابعين، ورد الناس عما اعتقدوه ودانوا به أمر صعب شديد، فدع الناس وما هم عليه ودع أهل كل بلد وما اختاروا لأنفسهم.

وهذا الموقف العظيم الكبير، لي معه وقفات:- أعظمها: أننا نلاحظ أنه عبر التاريخ كان يوجد صنفان من العلماء:- الصنف الأول: من تمكنوا من الموقع السلطوي فأعطاهم الله تعالى مكانة عند السلاطين والخلفاء، فكانوا يَغْشَوْنَهُم في مجالسهم، ويحوزون ثقتهم، وكان الخلفاء يرجعون إليهم فيما أشكل عليهم من الأمور، كما كان الزُّهْري -مثلًا- الإمام لبني أمية.

الصنف الثاني: من العلماء من أعطاهم الله تعالى التمكين، ليس في مواقع السلطان، ولا عند الخلفاء، وإنما في قلوب العامة، فكانت العامة تنجفل إليهم، وتقبل على مجالسهم، وتستمع إلى علمهم، وتأخذ بفتواهم، ولا تعدل بهم أحدًا أبدًا، ومقتضى أمر الله تعالى: (واعتصموا) ومقتضى أمره الآخر: (ولا تنازعوا) أن كلًا من هذين الصنفين كان ينبغي أن ينتفع بما أعطاه الله تعالى، وما مكنه في تعزيز الطرف الآخر، كذلك العالم الذي تمكن من أذن السلطان، كان حقًا عليه شرعًا أن يكون مدافعًا عن أعراض العلماء والدعاة في مجالس السلاطين، محسنًا لصورتهم، دافعًا لما يلصق بهم من الأباطيل والتهم والأقاويل، حريصًا على أن يكون قلب السلطان نقيًا لكل مؤمنٍ وعالمٍ وداعيةٍ، من أهل الخير والحق والهدى.

وبالمقابل ذلك العالم الذي مكنه الله تعالى من آذان العامة، فأنصتوا إليه واستمعوا إليه، كان جديرًا وحريًا به أن يستفيد من هذا الأمر الذي أعطاه الله تعالى، في أن يقول للناس قولًا حسنًا، وأن يدافع عن أعراض أهل العلم، ويمنع العامة من الوقوع فيه، أو اتهامهم بما هم منه براء، أو إشاعة القالة عنهم، أو قبول ما ينشره بعض الخصوم، مما أقله حق وأكثره باطل، فيكون بذلك مدافعًا عن أعراض العلماء، منافحًا عنهم حريصًا على تحسين صورتهم في نفوس العامة، وأي خير للأمة إذا انفصل علماؤها عن عامتها، أو انفصل عامتها عن علمائها، وهذا هو الذي كان في عصور كثيرة من تاريخ الإسلام، لكن لا يعدم الإنسان عبر التاريخ من أحوال تكون الأمور فيها على النقيض، فيستغل عالم -مثلًا- مكانته عند السلطان ليشهر بفلان، ويتهم علاَّن، ويتقول على هذا، ويتهم ذاك، ويحاول أن يوغر صدور من يملكون القرار، على منافسيه وخصومه، ليبطشوا بهم أو يوقفوهم أو يمنعوهم، أو غير ذلك، وكان ذلك شرًا على الجميع.

كما لا يخلو التاريخ -أيضًا- من إنسانٍ مكنه الله من قلوب العوام، فكان يستغل هذا التمكين في الوقيعة في أهل العلم والفقه من مخالفيه، والتشهير بهم، وإيغار صدور العامة عليهم، حتى إنك تقرأ في تراجم بعض العلماء، أن العامة ربما لاثوا به وأحاطوا به وضربوه وآذوه، ولعلك تستغرب أن يكون رجل كـ ابن تيمية، اجتمع عليه الناس يومًا من الأيام، في إحدى زياراته إلى مصر، أرض الكنانة، وأحاطوا به إحاطة السوار بالمعصم، ورفعوا أصواتهم عليه، وكادوا أن يبطشوا به، نظرًا لتلبيس بعض علماء السوء، حتى وقف الإمام ابن تيمية وقفة صامدة، وتكلم، وظل من بعد صلاة العصر إلى غروب الشمس، يشرح تفسير سورة الفاتحة، ويتكلم مع الناس بكلام عظيمٍ جزلٍ كبيرٍ مؤثر، حتى أقبل الناس عليه، يقبلونه ويدعون له ويستغفرون الله تعالى عما بدر منهم؛ فإن الكمال الذي تحصل الأمة منه على خير كثير، أن يكون أهل العلم والدعوة على سنن الوفاق والاتفاق، لا على جادة الخلاف والتطاحن والتباغض، وأن يحرص كل امرئ منهم أن يتخذ ما أعطاه الله تعالى ذريعة إلى نصر الإيمان والتوحيد وأهله، وخذلان الباطل: {قَالَ رَبِّ بِمَا أَنْعَمْتَ عَلَيَّ فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيرًا لِلْمُجْرِمِينَ} [القصص:17] .

لقد رفض الإمام مالك رحمه الله تعالى، استخدام السلطة لفرض رأيه الشخصي، ولو كان رأيًا فقهيًا استنبطه، وخالف فيه غيره، رفض أن يُفرض هذا على الأمة بقوة القرار السلطوي، وهذه آية العقل عند الإمام مالك؛ لأنه لا مدخل للسلاطين في أحكام الشريعة، فالشرع فيه قال الله، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم، روى الإمام البخاري، روى الإمام مسلم، وروى أحمد في مسنده، وأجمع أهل العلم، وليس في شريعة الله اعتمدوا أو يعتمد، إن هذا دليل على أن الإمام مالك جمع مع العلم الصحيح ومع الورع والتقوى، جمع العقل النير البصير وبعد النظر، وهذا يذكرنا أيضًا بموقف آخر للإمام مالك، يدل على عقله، وبعد نظره، وحسن سياسته.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت