أولًا: التمسك ببعض الحق وترك بعضه، فقد يجتمع الجماعة أو فئة من الناس على أخذ جزء من الدين، والعناية به وترك ما عداه، فيكون هذا سببًا للاختلاف، لأن غيرهم يأخذ جزءًا آخر، والثالث يأخذ جزءًا ثالثًا وهكذا، ولذلك فقد نعى الله تبارك وتعالى على بني إسرائيل أنهم نسوا حظًا مما ذكروا: {فَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ} [المائدة:14] فتجد فئة من الناس ينظرون إلى الإسلام على أنه نظام سياسي، فيركزون جهودهم في الدعوة إلى إسلامية السياسة، وإلى دخول المسلمين في مجال السياسة مثلًا، والأحزاب والانتخابات والمجالس، وغير ذلك، ويغفلون عما سوى ذلك، وينظرون -مثلًا- إلى من يُعنى بتعلم العلم الشرعي، والدعوة إلى الالتزام بالسنن والعمل بها، وتصحيح العقائد، ينظرون إليهم على أنهم أناس مغفلون بعيدون عن الواقع مشغولون بالقشور أو بأمور تافهة كما يعبر بعضهم، مع أن هذا كله خطأ، ولا يجوز استخدام مثل هذه الأساليب، فينظرون إلى من يشتغل بجزء آخر من الدين نظرة تنقص، وأنه يفتقد الوعي.
وإذا قلبت الصورة تجد الأمر نفسه كذلك، فتجد -مثلًا- من المسلمين من قد يهتم بالعلم الشرعي فقط، ويغفل عن جانب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، أو عن جانب الدعوة إلى الله تعالى، ويغفل عن جانب مقاومة المنكرات، أيًا كانت هذه المنكرات، التي تهيمن على واقع المسلمين، ويعتبر أن من الواجب على الجميع أن ينصرفوا إلى تعلم العلم الشرعي، إذًا كل إنسان يمسك بطرف، ومن هنا يوجد الاختلاف: {وَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ} [المائدة:13] فحين يوجد عند المسلمين جميعًا أهمية العناية والالتزام بجميع أمور الإسلام، هنا يحصل قدر من الاتفاق.
قد يقول قائل: هل من المعقول أن كل إنسان سوف يهتم بالأشياء كلها بقدر متساوٍ؟ أقول: لا.
صحيح أن كل إنسان له مجال يهتم به أكثر من غيره، لكن فرق بين كوني أهتم بهذا المجال، وأعتبر أن غيري قام بعمل آخر جليل، فأنا قمت بفرض كفاية وهو قام بفرض كفاية، وبين أن أهتم بمجال وأعتبره هو الدين وأن غيره ليس له أهمية.
فمثلًا: الذي يشتغل بالجهاد ومنازلة أعداء الله تبارك وتعالى في ميادين القتال، يقوم بفرض كفاية، ليس من حقه أن يلوم ويعاتب من يقوم بفرض كفاية آخر، وهو تعلم العلم الشرعي وتعليمه، فيصفهم بأنهم قاعدون أو متخاذلون أو مرجفون، أو ما أشبه ذلك، والعكس ليس من حق المشتغل بالعلم الشرعي وتعلمه وتعليمه، أن يعتب على القائمين بالجهاد ومقارعة أعداء الله، ويطلب منهم أن يتركوا الجهاد، ويأتوا ليتعلموا هذا العلم، إلا بقدر معين، وهو أننا نقول: هؤلاء الذين يجاهدون لا بد من أن يتعلموا فرض العين الذي يجب على كل مسلم أن يتعلمه، ولا بد أن يتعلموا أحكام الجهاد التي يحتاجونها في كل واقع حياتهم، ويتعلموا العقيدة الصحيحة التي تضمن صلاح مسيرتهم، وما أشبه ذلك، أما كونهم يتفرغون ليكونوا طلاب علم وفقهاء، فليس كذلك.
ونجد -مثلًا- فئة ثالثة، نذرت نفسها للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وهذا عمل جليل ليس من حقي كطالب علم متفرغ للتفقه والتعلم والتعليم، أن أنتقد عليهم عملهم واشتغالهم بإصلاح المجتمع، والدعوة إلى الله والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وأطلب منهم أن يتركوا ما هم فيه ليأتوا إلى ما أنا فيه، بل أنا أمدح ما هم فيه، وأثني عليهم، وأعتبر أنهم قاموا بجزء، وأنا قمت بجزء، وأن عملي يكمل ما يقومون به، وعملهم يكمل ما أقوم به، ونحن جميعًا نقوم بالإسلام بشكل إجمالي.
إذًا: جهود المسلمين في هذه الحالة تتكامل ولا تتناقض، وهنا يوجد ما يسميه العلماء اختلاف تنوع، وليس اختلاف تضاد، فقد يوجد إنسان ثالث مهمته جمع الأموال، وإنفاقها في سبيل الله، ورابع يبني المساجد، وخامس يؤلف الكتب، وسادس يرد على أهل البدع، وسابع وثامن وتاسع وعاشر، كل هذه الأعمال مطلوبة، وهي أعمال لا ينقض بعضها بعضًا ولا يخالف بعضها بعضًا، فهي من اختلاف التنوع المقبول والمطلوب، بل والذي لا بد منه شرعًا وواقعًا.
فلا بد أن ننتبه أن أول سبب من أسباب الاختلاف هو: {وَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ} [المائدة:13] بحيث أن المشتغل في علم أو فن أو مجال؛ ينتقد غيره ويعتبر أنه مضيع لوقته، وكثيرًا ما تجد النقد في هذا المجال.