فهرس الكتاب

الصفحة 9213 من 10422

يا أخي الكريم: كم من إنسان لو حسبت عمره بميزان الأيام والليالي والساعات لوجدته قصيرًا! فلان عاش ثلاثين أو أربعين سنة، ولكنها مليئة بجلائل الأعمال، وبالبطولات والتضحيات، مليئة بالجهاد، وبالعلم، مليئة بالعمل، وبالدعوة؛ ولهذا كانت هذه السنوات كبيرة في ميزان الله تعالى، عظيمةً عند العقلاء! وربما ظل هذا الإنسان حيًا في ذاكرة التاريخ تتسامع به الأجيال، جيلًا بعد جيل، ورعيلًا بعد رعيل، مع أنه لم يعش من زمانه إلا سنين قصيرة.

وكم من إنسان قد يكون من المعمَّرين وبحسبك أن تقرأ كتاب المعمرون والوصايا لـ أبي حاتم السجستاني، فقد ذكر فيه أسماء المعمرين، ولو تصفحت هؤلاء المعمرين لم تجد منهم إنسانًا يذكره التاريخ بالفضل إلا أقل القليل! أما الباقون فلا يعرفون إلا بأنهم طالت أعمارهم، كما يكتب في الجرائد أحيانًا أن فلانًا مات عن مائة وثلاثين سنة أو مائة وأربعين سنة، وهذا بحد ذاته لا يحمد ولا يذم، إنما الذي يحمد ويذم هو العمل الذي ملأ به الإنسان هذه السنين، إن خيرًا فخير وإن شرًا فشر.

فلا أدري -أيها الأحبة- متى يصحو الإنسان من تقلبات الأيام والليالي، وكرور الشهور بعد الشهور، ومرور الأعوام بعد الأعوام؛ حتى ينتبه إلى أن الحياة ليست هي الساعات فحسب، وإنما الحياة هي الأعمال التي تسجل لهذا الإنسان! والله يا إخوتي! إنها لحسرة وندامة للإنسان منا أن يموت ثم لا يسمع به أحد، ولا يعرفه أحد، ولا يثني عليه أحد، ويمحى اسمه من سجل الأحياء، ويمحى من سجل التاريخ؛ فلا يذكر بشيء.

وأسوأ من ذلك أن يذكر بشر، أو يُدعَى عليه، أو يُسَبَّ، أو يذم بالحق، أما الذم بالباطل فلا يضير.

فالسؤال الذي يطرح نفسه عليك الآن: إذا مت -وأنت ميت لا محالة- فما هو العمل الذي قدمته وسوف تذكر به؟ هل سيثنى عليك بخير؟ هل سيمدحك الأخيار شهود الله في أرضه؟ هل ستكون قد تركت وراءك علمًا نافعًا: كتابًا، دروسًا، محاضرات، أعمالًا، جهادًا، كلمة حق قلتها في مناسبة، طلابًا خرجتهم تذكر بهم ويدعى لك بسببهم وينفعون الناس، أولادًا صالحين تذكر بهم، أموالًا أنفقتها في سبيل الله؟! أم أنك سوف تموت ويطوى ذكرك وتخمل، ولا أحد يعرف عنك شيئًا؟! إذا مِتُّ كان الناس صنفين شامتٌ وآخرُ مثنٍ بالذي كنتُ أصنعُ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت