ومن صور مسخ الإنسان للفطرة: أن الإنسان مفطور على الميل للجنس الآخر، فالرجل مفطور على المرأة، والمرأة كذلك، والرجل يكمل المرأة، والمرأة تكمل المرأة.
وهذه قضية بحد ذاتها فطرية غريزية لا يلام عليها الإنسان -وقد سبقت إشارة عابرة إلى موقف الإسلام منها، وهو أنه شرع الزواج وأمر بتيسير أسبابه وحث عليه- لكن انظر إلى موقف الجاهليات والمناهج المنحرفة من هذا الأمر! ستجد لو تأملت -أيضًا- في هذا الأمر عجبًا! فالجاهلية في كل عصر -وفي هذا العصر خاصة- تحاول أن تجعل من هذا الميل الغريزي الموجود لدى كل جنس نحو الجنس الآخر؛ تحاول أن تجعل منه خنجرًا تطعن فيه الإسلام والمسلمين، وتفعل ما يلي:- العمل بكل وسيلة على تهييج الغريزة الجنسية وإثارتها.
سد الأبواب المشروعة للإشباع الفطري.
ففي الوقت الذي يشحذ فيه الشيطان غريزة الإنسان، فإنه يقوم بعمل آخر متزامن مع هذا العمل: وهو سد الأبواب المشروعة للإشباع الفطري؛ وذلك بوضع العراقيل والعقبات الحقيقية والوهمية في هذا السبيل، ويختلق عوائق اجتماعية ونفسية وعقلية واقتصادية؛ للتأثير على الشباب والشابات بمؤثرات كثيرة، تقنعهم بأن قضية الزواج مسألة صعبة يجب عدم التفكير فيها الآن لأسباب عديدة، منها: مواصلة الدراسة، والعمل على تأمين المستقبل، وعدم توفر الإمكانات اللازمة، والظروف البيتية، وانصراف النفس أصلًا عن التفكير في هذا الموضوع وعدم التهيؤ له؛ بسبب مؤثرات تظهر بصمات إبليس في معظمها وقد جند آلاف الصفحات والمطابع، والمحررين، والأجهزة المختلفة لتحقيق هذا المطلب، وتضخيم هذه العقبات.
أما الفتاة فهي لا تريد الزواج الآن؛ لأنها ما زالت طالبة في الجامعة، ويتقدم الأَكْفاء، فترفضهم بهذه الحجة، فلا تتخرج إلا وعمرها ثنتان وعشرون سنة -على أقل تقدير- فترغب أن تعمل لعدد من السنوات قبل الزواج؛ لأن من غير المعقول أن تتسلّم الشهادة الجامعية وتعلقها في المطبخ -هكذا تقول- ثم تبدأ في فترة متأخرة تفكر في الزواج، وهي تحتفظ بشروطها العسيرة في من ترضاه شريكًا لحياتها فالفتاة من شروطها وأقوالها: بأنها تريد إنسانًا بصفاتٍ معينة، فحتى بعد سن الأربعة والعشرين -مثلًا- يتقدم واحدٌ وثاني وثالث فترفضهم! ويتقدم بها السن، بعد ذلك تريد أن تتنازل قليلًا عن شروطها؛ لكن الزوج الذي تريده ذهب إلى غيرها، وتقدم تنازلًا آخر، ولكن بعد فوات الأوان؛ إلى حد أنها قد تتنازل عن كثير من شروطها، فلا يتقدم لها من تريد، فقد يصل بها الحال إلى أن ترغب أن تكون زوجة ثانية أو ثالثة، فلا تجد من يوافقها على ذلك.
وهناك في الواقع -الآن- كثير من الفتيات بلغت سن الثلاثين، بل تعدت هذا السن بمحض اختيارها، دعك ممن يعضلها أهلها، ودعك ممن لا تريد الزواج أصلًا، لأنها لا تريد هذا الأمر، وتشعر بأنها غير سوية في هذا المجال؛ لكن ممن يرغبن في الزواج -وهن غالب النساء- هناك من جاوزت هذا السن وبكثير؛ بل ولا زالت تشترط، تشترط شابًا بصفات معينة، ولا زالت الأحلام تدور برأسها!!.
هذه صورة مما يحدث من كيد الشيطان في إيجاد العوائق والعقبات الكثيرة في الواقع وفي نفس المرأة، أو في نفس الرجل عن الزواج، وبالمقابل: انظر إلى الطرف الآخر! هل غريزة الإنسان ذكرًا أو أنثى، خلال هذه المدة؛ هل هذه الغريزة نائمة؟ كلا.
بل هذه الغريزة يقظة؛ والشيطان كما يسعى في الطرف الأول إلى محاولة إيجاد العوائق والعقبات الكثيرة، أمام الإشباع الصحيح للغريزة؛ يسعى في الطرف الثاني إلى فتح الباب على مصراعيه للإشباع المحرم، عن طريق الإغراءات الكثيرة عن طريق المجلات التي هي بالمئات؛ بل لا أبالغ إذا قلت: أنها بالآلاف، من مجلات الأزياء، مجلات الفن، مجلات السينما، مجلات الرياضة، مجلات الجمال، مجلات الجنس الخ.
فمن مختلف البلدان تجبى إلى هذه البلاد ثمرات كل دارٍ من دور النشر المنحرفة؛ وتجد في بلاد الإسلام، مرتعًا خصبًا، حيث الغنى والمال؛ ويشتريها المسلمون بأغلى الأثمان، من أجل ماذا؟! من أجل الصور الجميلة من أجل الأزياء، من خلال القصص المثيرة للجنس، المحركة للعاطفة وفي البقالات تباع هذه القصص، فضلًا عن المكتبات، وقد رأيت في البقالات، كثيرًا منها روايات وقصص يسمونها روايات عبير!.
ولله الحمد ما قرأت شيئًا منها؛ ولكن يكفي لتعلموا مدى سوء هذه الروايات، وإثارتها للغريزة الجنسية؛ أن بعض صحفنا السعودية كتبت تنتقد هذه الروايات، وتنتقد بيعها وتقول: إنها روايات تتاجر في الغريزة الجنسية، أو كما قالت إحدى الصحف.
فما بالك بما تنتقده هذه الصحيفة، أو بالمادة التي تنتقدها هذه الصحيفة أي: لا بد أنها بلغت مبلغًا عظيمًا في الإثارة الجنسية، ومعظم الروايات تدور حول الجنس قصص دواوين شعر لا أقول بالمرأة، فالمرأة ثياب متكاملة، المرأة عواطف، المرأة خلق، تتاجر بالجنس فحسب، وكأن الحياة كلها شهوة، أفلام الفيديو التي أصبحت محلاتها كثيرة جدًا، والأفلام المسموح بها كثيرٌ منها يخجل الإنسان من سماع ما فيها فضلًا عن مشاهدتها، فضلًا عن الأفلام الممنوعة والتي أصبحت، تتداول بشكل غريب بين كثير من الشباب! أفلام تصل إلى حد عرض الجريمة الخلقية، على مرأى ومشهد من الشباب والشابات.
فما بالكم أيها الإخوة بشاب غير متزوج، أو فتاة غير متزوجة، فيه غريزية وفطرة مركوزة أصلًا؛ باب الزواج المشروع، مغلق أو وضعت أمامه عقبات وعراقيل كثيرة؛ ثم يشاهد مثل هذه الأشياء أو بعضها، ما الذي يحدث؟! يحدث اشتعال لهذه الغريزة تحرك شديد انفعال غير طبيعي؛ فيركض الإنسان للطريق المباح إن كان يخاف الله عز وجل؛ فيجده مغلقًا، ولذلك يتجه للطريق الآخر، -الطريق المحرم- وهذا ما يريده الشيطان؛ يريد أن يسوق الإنسان بالقوة إلى هذا الطريق الحرام؛ ولذلك يشيع -مثلًا- في كثير من الأوساط: الكلام في الحب، والغزل، وتبادل الرسائل، والمعاكسات مع الشباب، والمعاكسات الهاتفية، وغير ذلك ومن الغريب جدًا أن تجد أولياء الشيطان من أصحاب تلك الصحف، والمجلات، والمسرحيات، والتمثيليات، والكتب يطالبون بفتح المجال لمثل هذه الأشياء، بالعلاقة بين الشباب، بالاختلاط -كما يسمونه الاختلاط البريء- في العلاقات المباحة البعيدة الخ.
فيا سبحان الله! {وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلًا عَظِيمًا} [النساء:27] {يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا} [النساء:28] .
فكثير من الناس يوقع نفسه في هذا الموقع، فيجره الشيطان إلى الآخر؛ إذا مشى خطوة، جره الشيطان عشر خطوات، فيأتي يبكي على نفسه! ولسان حاله يقول كما قال الشاعر: ألقاه في اليم مكتوفًا وقال له إياك إياك أن تبتل بالماءِ وقد حدثني أحد الإخوة الثقات: أن بعض الشباب، في بلدانٍ منحرفة، كانوا يجلسون في مكانٍ مع بعض الساقطات العاهرات، ثم يخرجون إلى مكانٍ آخر والدموع تنهمر من عيونهم خوفًا من الله عز وجل!! فيا سبحان الله! ما الذي جاء بك أصلًا إلى هذا المكان؟! الإنسان إذا أسلم قياده للشيطان بخطوة، قد يجره الشيطان خطوات، وقد يصعب عليه أن يرفض الخطوة الثانية.