أما المستوى الثالث من مستويات القدوة: فهو أن تبحث عن شخص من الأشخاص الأحياء المحيطين بك، ممن استجمعوا قدرًا كبيرًا من الفضائل والصفات، فتحرص على القرب منه، والاستفادة مما عنده، ومحاكاته في أمور الخير، من العلم والعمل والدعوة وغير ذلك من الفضائل، كما تحرص على الاستفادة من عقله ورأيه ومشورته، فيما يلم بك من أحداث ومواقف وتغيرات.
وقد يسأل سائل: وهل نحن بحاجة إلى هذا النوع من القدوة، بعد أن كان الرسول صلى الله عليه وسلم قدوتنا؟ فأقول: ارجع إلى الحديث السابق الذي رواه جرير بن عبد الله.
إننا نعلم جميعًا أن الصدقة مشروعة بنصوص كثيرة من القرآن والسنة، ومع ذلك لما أمر الرسول عليه الصلاة والسلام بالصدقة، فجاء هذا بصرة كادت يده تعجز عنها، وجاء آخر بقليل، وجاء ثالث بما يقدر عليه من المال أو التمر أو غيره، قال الرسول عليه الصلاة والسلام: {من سن في الإسلام سنة حسنة؛ فله أجرها وأجر من عمل بها} .
إذًا حتى الأمور المشروعة الثابت مشروعيتها في الكتاب والسنة، نحن بحاجة والناس جميعًا بحاجة، إلى أن يروا في واقع الحياة أشخاصًا أحياء يعملون هذه الأشياء المشروعة؛ فتثور أريحية الناس للقيام بهذه الأعمال وأدائها، ولذلك فإن الله عز وجل لما أراد إقامة الحجة على الناس، لم ينزل إليهم الكتب فحسب، بل أنزل إليهم الكتب وأرسل إليهم معها الرسل، فالكتاب منزل على رسول، وهذا الرسول لم يكن ملكًا، وإنما كان بشرًا حتى يتحقق للناس كمال الاقتداء، أما لو كان الرسول ملكًا من الملائكة؛ لقال الناس: هذا ملك لا طاقة لنا بأن نعمل كما عمل.
الخلاصة: أنه لا بد لك أيها الشاب أن تنظر فيمن حولك، إلى إنسان تتحقق فيه الصفات الحميدة جملة، فتحرص على القرب منه، والأخذ عنه، والاستفادة مما عنده، ولقد كان سلفنا الصالح يعتبرون هذا شرطًا من شروط العلم والتحصيل والتربية، فيقولون -مثلًا- في الشروط التي لا بد منها لتحصيل العلم، بعد أن يذكروا -مثلًا- الذهن الثاقب، يذكرون المعلم الحاذق، وكلكم يحفظ قول الإمام الشافعي: أخي لن تنال العلم إلا بستة سأنبيك عن تفصيلها ببيان ذكاء وحرص واجتهاد وبلغة وصحبة أستاذ وطول زمان فصحبة الأستاذ والمربي والموجه لا بد منها.