إن الزهد ليس هو الفقر، وليس هو أن تُعرض عنك الدنيا، فتعرض عنها؛ ولكن الزهد أن لا يكون المال في قلبك، ولو كان المال في يدك.
ولهذا الإمام أحمد وغيره من السلف، قالوا في الزهد: أن يكون عندك المال، فلا يستبد بك الحزن إن نقص، ولا يستبد بك الفرح إن زاد، بل إن زاد المال أو نقص فالأمر عندك سواء، وهؤلاء هم كبار الزهاد من الصحابة رضي الله عنهم، قد رأيت أموالهم، فهل رأيتهم أنهم جزعوا على فائتٍ من الدنيا؟ كلا، بل كان الواحد منهم وهو على فراش الموت يقول: لا أفلح من ندم، غدًا ألقى الأحبة، محمدًا وصحبه صلى الله عليه وسلم فهم ما أسفوا على الدنيا كلها يوم زالت، بل كانوا يخوضون المعارك، ويتعرضون للموت أو القتل، رجاءَ نيلِ الشهادةِ في سبيل الله، ما ألهتهم تلك الأموال عن المجاهدة، وهذا هو سر العظمة، والنبوغ والكمال، الذي وجد في ذلك الجيل، ولم يوجد فيما بعدهم إلاَّ قليلًا!، نعم وجدنا من بعدهم أناسًا إما أن يكونوا أغنياء، معرضين عن الآخرة، أو أن يكونوا من أهل الآخرة؛ ولكنهم ليسوا من الدنيا في قليلٍ ولا كثير، ولا قبيلٍ ولا دبير.
إذًا هذا الوضع الذي تعيشه أنت، في قلةِ ذات اليد، أتراه زهدًا، أم أنه الكسل، وحب الراحة، والخرق كالعمل؟ سَمِّه أيَّ شيءٍ أحببت، بارك الله فيك؛ لكن إياك أن تسميه زهدًا!! وكيف تسميه زهدًا! وأنت تترك الكسب الحلال، وتذهب إلى مكاسب وطرق مذمومةً شرعًا.
إن كون الإنسان يتعرض للتجارة والبيع والشراء، خير من أن يأخذ من الناس أُعطياتهم، أو أن يتعرض لسؤال واحدٍ منهم.