فمن ألوان ذلك -مثلًا- عبودية الإنسان للطاغوت، الطاغوت المتنفذ الذي أصبح يملك اليوم كل شيء من الألف إلى الياء، عكس ما كان بالأمس، فمثلًا: لو قارنت بين الحياة اليوم والحياة بالأمس لوجدت أن الحياة في القرون السابقة كان يمكن أن يسيطر الطغاة على جانب واحد فقط من الحياة، فرعون -مثلًا- سيطر على جانب واحد وهو القوة، بعد ذلك قد يكون للناس فرص كثيرة جدًا أن يتعرفوا فيها بخاصة أنفسهم إلى حدٍ ما، لكن في هذا العصر لم تعد القضية قضية هيمنة على المال فقط أو هيمنة على القوة والسلطة فقط، لا، بل أصبحت هيمنة -كما يقول أحد الكتاب- من شهادة الميلاد إلى شهادة الوفاة، فمثلًا: تجد أن الحياة محاطة بشبكة متصلة لا تنقطع أبدًا.
من ألوان المهيمنات: الإعلام -مثلًا- المرور، العمارة، الزراعة، التصنيع، الطب، التجارة، المهن العامة المختلفة، السفر، الإقامة، الأمن …إلخ كل شئون الحياة أصبحت محكومة مضبوطة، بالطبع ضبط أمور الناس ليس مذمومًا بذاته، ضبط الأمور محمود، ولابد من ضبطها، بل الإسلام إنما جاء لضبط الأمور، وقد كان من الأشياء التي بشر بها النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه أن تسير الضعينة من صنعاء إلى حضرموت سير الراكب لا يخاف إلا الله والذئب على غنمه، فالضبط مطلب إسلامي عادل أيضًا.
لكن هنا الكلام أنه حين يكون الطاغوت متحكمًا في مثل هذه الأمور، بل يتحكم فيما وراء الحدود، ونحن نعلم أن هناك -الآن- ما يعرف بالبوليس الدولي أو (الإنتربول) الذي يلاحق من يسميهم بالمجرمين، وقد كان مطلوبًا منه أن يلاحق جماعة من الدعاة الهاربين من تونس وغيرها في كل مكان، فضلًا عن الوثائق، وفضلًا عن الجواسيس الذين يلاحقون الإنسان ويكونون معه كالظل في كل مكان، فضلًا عن شراء الذمم من صحف وإذاعات ومراكز تلفزة في العالم؛ لتسبح بحمد فلان وفلان من الناس.
فإذا كان الحكم صالحًا، فهنا حدث ولا حرج؛ لأن كل هذه الأشياء سوف توظف لصالح الإنسان في تصحيح عقله وفي تصحيح قلبه ومشاعره، وحفظ كرامته، وتحقيق إنسانيته، وتمكينه من العبودية لله تعالى، وتمكينه من التحرر من الطواغيت كلها، وتقوية عزيمته، وتمكينه من المشاركة، وبنائه؛ وهذه إمكانيات وفرص هائلة جدًا لو تأملتها لا تنتهي أبدًا.
وبالمقابل فإذا كان فاسدًا فإن هذه الأشياء كلها تتحول إلى وسائل تعظيم فلان وحاشيته، وتسخير كل هذه الإمكانيات الهائلة لاستعباد الناس وتذليلهم للعبودية للطاغوت.
فالتعليم -مثلًا- يلقن الإنسان أن فلانًا هو الحاكم المنعم، وهذه النعم لو شاء لحجبها، فيكون ذلك تصريحًا ويكون تلميحًا، ويكون شعرًا ويكون نثرًا، وفي كل مقررات التعليم ومراحله بحيث لا يتصور حتى الطفل الصغير الحياة بدونه، وهكذا تسخر إمكانيات أمة لفرد أو لحزب يعتبر أن الأمة لا قيام لها إلا به، تبجله وتعظمه وتنفخ فيه حتى يبدو كأنه جزء لا يتجزأ من الحياة؛ وأن الحياة بدونه عبث، ثم لا يبرز في هذا المجال ولا ينجح إلا من يقدم رسوم وحقوق العبودية لهذا الطاغوت؛ وهو أخوه الإنسان؛ لأن القضية ليست قضية منافسة شريفة، ولا قضية قدرات عقلية، ولا قضية مستويات علمية، وليست بكد اليمين ولا بالكسب، وإنما بحسب التقرب من هذا الطاغوت، وبحسب القدرة على النفاق وتقديم قروض وفروض الطاعة والولاء، أما الشهادات وأما الإمكانيات وأما غيرها فهي شيء آخر.
ولذلك لا تستغرب أن تهاجر العقول الإسلامية من الشام والعراق ومصر وبلاد كثيرة إلى أوروبا لتخدم الكفر الصراح هناك على رغم أنوفها، وقد يكون فيهم الأخيار ولم يجدوا في بلادهم المناخ المناسب لتحقيق ما يريدون.
والإعلام -خذوه مثالًا آخر- فالإعلام مسخر، ولكن لو كان صالحًا لكن مسخرًا لتحرير الإنسان من كل العبوديات، وبناء عقله وبناء قلبه، وإصلاح مشاعره، وربط الأمة بأصولها التاريخية، وتمجيد الجوانب المشرقة الإيمانية في الأمة، وعلاج النواحي السلبية بطريقة معينة، لكن الواقع أن الإعلام الفاسد اقتصر على تمجيد الحاكم والثناء عليه، والتستر على أخطائه وتعبيد الناس له -للفرد أو للحزب- فهو في الواقع زور؛ ولذلك لفت نظري قبل زمن وفي أثناء أحداث حرب الخليج يقول: إن هناك ستة آلاف طفل في الأردن يحملون اسم صدام.
ستة آلاف طفل ولدوا أثناء الأحداث -تقريبًا- يحملون اسم صدام! هذا دور الإعلام وتأثيره، وفي المعسكر الآخر لقد سمعتم جميعًا من سموا أولادهم باسم جورج بوش.
إذًا: هذا دور الإعلام إنه يمسخ عقول الناس ويجعلهم مستعبدين لهذا الطاغية أو ذاك؛ لذلك تجد أن الطغاة عندنا ليس لهم لون وليس لهم عرق، فالطاغية هو الطاغية سواء أكان عربيًا أم أجنبيًا، أمريكيًا أم روسيًا، كلهم طغاة.
كلهم سوف يذهبون جميعًا كلهم عن ثراك سوف يزول لكن الواقع أنه يمارس مسخ العقول، ولا ينجح -أيضًا- في الإعلام (الإعلام المزور) الذي يخدم الطاغوت إلا من يكون أكثر تطبيلًا وتضليلًا ومدحًا، ولا يختار من يكتب للناس أو يحررهم إلا من يكون بمواصفات معينة، وربما أبرز الإعلام شخصًا واحدًا وتجاهل الآلاف بل عشرات الآلاف ممن هو في مثل مواهبه وفي مثل شهادته وفي مثل مستواه؛ بل هم أفضل منه بكثير.
خذوا مثالًا ثالثًا وهو الاقتصاد، فتجد في الاقتصاد -على سبيل المثال- التأميم الاشتراكي، فالتأميم جزء من الاشتراكيةوهي: مصادرة الممتلكات وجعلها فيما يزعمون ملكًا للدولة، وفي الواقع أنه ليس ملكا ًللدولة وإنما هي ملك لشخص الحاكم الذي ينهبها، والذي تصب كل هذه الأشياء -أخيرًا- في جيبه أو جيب ولده أو جيب حزبه، أو جيب من هم من حاشيته ممن يجيدون له فن المديح والثناء، فتضيع مصانع الدولة، وتضيع إمكانياتها، وتضيع مناهجها، وتضيع مزارعها، وتضيع كل مواردها باسم التأميم الذي لا يسمح للفرد أن يملك شيئًا ويجعل كل هذه الأشياء مؤممة ملكًا للدولة، هذا في جانب فينعم فرد لييئس الآخرون.
وبالمقابل تجد أن من قضية استخدام الاقتصاد لتعبيد الناس قضية تعميق التطبيق الرأسمالي في حياة المسلمين، بقصر الفرص الحقيقية للاستثمار، وللإنتاج على أفراد معدودين يملكون المال والمؤسسات والشركات ويتمتعون بالتسهيلات العديدة التي لا يتمتع بها غيرهم، وربما يكون البقية، إما مسحوقون أو أنهم على حسب الأحوال أو على أحسن الأمور قد يكون بعضهم من المساهمين الصغار.
خذ مثالًا رابعًا: الأمن، فمهمة الأمن في الأصل حفظ حياة الناس، والمحافظة على أعراضهم وعلى أسرارهم وعلى ممتلكاتهم وعلى أمورهم وعلى مكتسباتهم، لكنه يتحول في ظل هيمنة الطاغوت إلى التمهيد للسلطان -هذا الطاغوت في الأرض- وزرع روح الخوف والقلق لدى من لا يرضاهم، فهم في عالم من الأشباح يعيشون، وفي فراش من الوساوس يتقلبون: {إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَذَكَرُوا اللَّهَ كَثِيرًا وَانْتَصَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ} [الشعراء:227] .
وقد كان الناس في كثير من البلاد يتهيبون من مجرد الإشارة إلى الشرطي بالإصبع يقول: إذا أشرت إليه يقطع إصبعك، بمعنى تربية الناس على روح الخوف، وهذا ليس من الأمن، وإنما الأمن في ظل تنفيذ شريعة الله تعالى وحكمه، ومن خلال هذه الهيمنة لن يكون هناك تعليم أو إعلام أو اقتصاد أو أمن على سبيل الحقيقة.
فالمهم أن من تتوفر فيهم شروط العبودية للطاغوت فسوف يحظون بقدر كبير من المكاسب، وكلما كانوا أكثر نفاقًا وصفاقة كان هذا أدعى لنجاحهم، وأما الذين يوجد عندهم قدر من الاستقلالية-مثلًا- أو الكرامة أو العزة الإنسانية، أو تمييز في شخصياتهم تكون الأبواب كلها مغلقة في وجوههم؛ بل تسخر كل الإمكانيات الهائلة في مقاومتهم والتشهير بهم وشن الحرب عليهم.
ولأن من الخطورة بمكان أن ينفلت الزمان، أو يتنفس الناس هواء الحرية فيرتبك الأمر؛ تكون العيون ساهرة لمقاومة أي بادرة من هذا السبيل، ولذلك كان فرعون يقول: {إِنَّ هَؤُلاءِ لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ * وَإِنَّهُمْ لَنَا لَغَائِظُونَ} [الشعراء:54] .
انظر كيف التناقض يقول في البداية: إنهم شرذمة قليلون -أي: قلة- وما دام أنك تعترف يا فرعون أنهم قلة لماذا يخيفونك ويزعجونك؟ وأنت الذي تقول: {مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي} [القصص:38] {أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى} [النازعات:24] فتقول: {وَإِنَّهُمْ لَنَا لَغَائِظُونَ * وَإِنَّا لَجَمِيعٌ حَاذِرُونَ} [الشعراء:55-56] أي: أنه منزعج وهو من هو في قصره وصولجانه وغطرسته وحوله الخدم والحشم والأعوان يقول: {وَإِنَّهُمْ لَنَا لَغَائِظُونَ} [الشعراء:55] فالغيظ يغلي في قلبه ومراجل الحقد في نفسه، ومع ذلك يقول: {وَإِنَّا لَجَمِيعٌ حَاذِرُونَ} [الشعراء:56] ووراء هذه الكلمة من فرعون من الجيوش المجندة لمراقبة هؤلاء وملاحقتهم والتضييق عليهم وإيذائهم وحربهم ومقاتلتهم أخيرًا.
وهكذا يبدو الأمر واضحًا من خلال هذه الأمثلة، فالعبودية لله تعالى في جانب تستغرق كل الحياة: {قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * لا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ} [الأنعام:162-163] {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْأِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ} [الذاريات:56] فالصلاة والنسك والموت والحياة لله تعالى في حس المسلم وما خُلق الإنسان إلا ليعبد الله عز وجل، فالعبودية لله تشمل كل أمور الحياة.
وليس من الإسلام مقولة: (مال قيصر لقيصر وما لله لله) لا! وليس من الإسلام مقولة: (الدين لله والوطن للجميع) لا! الإسلام أن يخرج قيصر وما له شيء؛ الأمر كله لله: {قُلْ إِنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ} [آل عمران:154] فقيصر ما له شيء، إما أن يكون عبدًا ذليلًا مربوبًا لله تعالى يأتمر بأمره فيسمع ويطيع، وهنا يكون عبدًا من عباد الله ويسلب عنه هيلما