في كل مرة وفي هذه المرة أيضًا، تستقبل إسرائيل مؤتمرات السلام ودعاوى السلام العريضة، بدعم التسليح واستقطاب الخبرات النادرة من أنحاء العالم، وفي هذه المرة يتزامن السلام مع قدوم أعداد هائلة من المهاجرين اليهود من روسيا، ومن الاتحاد السوفيتي وفيهم أعداد غير قليلة يمتلكون خبرات نادرة، وتستقبل إسرائيل مؤتمرات السلام بزيادة نفقات الحرب، وفي هذه المرة بالذات زادت من اعتماد وزارة الدفاع بمبلغ مائتي مليون دولار، ولذلك قالت إحدى الصحف الفرنسية:"إن إسرائيل قد اقتربت من مؤتمر السلام ويدها على الزناد".
أولًا: إسرائيل تعلم أن المفاوض من مركز قوة غير المفاوض من مركز ضعف.
ثانيًا: إن إسرائيل تعتبر السلام سلامًا هشًا لكسب الوقت فقط، وينبغي أن تعمل بشكل دائم ومستمر على تسليح نفسها لمواجهة عدوها، بل لبسط نفوذها وتحقيق حلمها فيما يسمى بإسرائيل الكبرى.
ثالثًا: تستقبل مؤتمرات السلام بالتوسع في بناء المستوطنات ومصادرة الأراضي العربية وتهجير اليهود من أنحاء العالم إلى إسرائيل، بحيث تصبح المطالبة -في ظل تلك الظروف- بالأراضي المحتلة عام (1967م) -كما يطلبون الآن- أمرًا مستحيلًا، لأنها تبني فيها المستوطنات بشكل غريب، وتسكن فيها اليهود الذين يهاجرون، وبالتالي سوف يزيد عدد اليهود بنسبة كبيرة وتصبح المطالبة بهذه الأرض فيما بعد أمرًا مستحيلًا أو شبه مستحيل.
إسرائيل تتميز بنظرة عميقة في هذا الجانب، تدرك أن السلام أمر مؤقت، وأنه لكسب الوقت كما ذكرت، ولذلك يقول رئيس الأركان الإسرائيلي:"إن الأحداث في الاتحاد السوفيتي تثبت أن الاستقرار العالمي هش جدًا، ويمكن أن يتبدل في أي وقت، وإذا كان خطر الحرب أصبح مستبعدًا الآن في المدى المباشر؛ فإن حرب الخليج برهنت على أنه لا بد لدولة كإسرائيل أن تستعد لما يقع على المدى المتوسط أو على المدى البعيد، وذلك لأن ظروفًا بالغة التعقيد يمكن أن تنشأ فجأة".
هذه نظرتهم! توقع تغير الأحداث تغير الظروف المفاجئة بأحداث جديدة، واحتمال بروز قوى لم تكن واردة في الحساب، وظروف معقدة؛ ولذلك هم يرون أن الخيار الوحيد أمامهم: هو المزيد من التسليح؛ ولذلك يعكف اليهود على المطالبة والعمل على تحقيق أمرين: الأمر الأول: توفير قمر صناعي يهودي خاص؛ للتجسس واستكشاف كل ما يجري حول إسرائيل في المنطقة العربية، وهم في مجال إيجاد هذا القمر.
الأمر الثاني: إنتاج صواريخ -كما ذكرت قبل قليل- يسمونها (صواريخ آرو) مضادة للصواريخ أيضًا، وذلك في وقت قصير وبالتعاون مع الولايات المتحدة الأمريكية، وخلال ذلك تقوم إسرائيل ببعض المناورات في موضوع السلام وتبتز من خلالها الغرب، والشرق، والعرب، بمزيد من التنازلات وهي تعلم أن الأمر مجرد كسب الوقت، ولعلكم سمعتم وتسمعون أن إسرائيل منذ فترة تطالب أمريكا بعشرة بلايين دولار؛ لاستيعاب المهاجرين السوفيت الذين قدموا إلى إسرائيل- كمساعدة إنسانية، ولما حجبها الرئيس الأمريكي بعض الشيء، لمصالح شخصية تتعلق بموقفه وبقضايا ليس العرب منها بقليل ولا كثير ولا قبيل ولا دبير قال أحد المسئولين اليهود: لا نقبل ولا نعتقد أبدًا أن عدم بناء المستوطنات في الضفة الغربية وقطاع غزة هو الذي يدعم السلام، لا، بل يقول العكس، توطين اليهود وبناء المستوطنات في الضفة الغربية وقطاع غزة هو الذي يساهم في عملية السلام ويدعمها.
وسوف تعرف كيف يكون هذا داعمًا لقضية السلام، وبلا شك أن الموضوع طويل، وبقي فيه قضايا كبيرة ومهمة.