أما الصورة الثانية فهي أخف منها، وهي: غربة المسلم المستقيم المتبع للسنة بين المسلمين أنفسهم، وهي غربة المسلم الملتزم بالطريق النبوي الصحيح في وسط عالم من المسلمين شرقًا أو غربًا، وهي غربة المسلم الملتزم السماوي وسط عالم من اللاهثين وراء أقوال الرجال وآرائهم، قال الله تعالى: {اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ} [الأعراف:3] وهي غربة المسلم الملتزم بالفهم السلفي وسط عالم من المفاهيم المنحرفة التي تحاول التوفيق بين الإسلام وبين تراث البشر، سواء أكان تراثًا يونانيًا أم رومانيًا أم عربيًا أم شيئًا آخر، قال الله تعالى: {فَكَيْفَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ ثُمَّ جَاءُوكَ يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا إِحْسَانًا وَتَوْفِيقًا} [النساء:62] وإن غربة هؤلاء المسلمين العاملين الملتزمين بالسنة قولًا وعملًا، غربتهم قد تكون في كثير من الأحوال أشد من غربة المسلمين بين أهل الملل الأخرى، وكلما ما زاد تمسك المسلم الغريب بالسنة زادت غربته، وقل مشاكلوه وكثر مخالفوه، فهو مسافر في طريق طويل كلما قطع فيه مرحلة سقط بعض من حوله، والمسلم لا يعجب أن يحاربه الكفار، بل العجب إن لم يفعلوا! ولكنه يعجب أشد العجب أن يكون إخوانه في الدين أحيانًا هم الذين يفعلون ذلك! وهذا هو الجرح الذي لا يندمل! وقديمًا قيل: وظلم ذوي القربى أشد مضاضة على النفس من وقع الحسام المهنَّدِ ولهذا قال أبو بكر بن عياش رحمه الله تعالى: [[السنة في الإسلام أعز من الإسلام في سائر الأديان] ] .
وهذا أيضًا يضاعف المسئولية عليكم أنتم أيها الشباب، على المسلم المهتدي الموفق الملتزم بهدي النبي صلى الله عليه وسلم وطريقة السلف رضي الله عنهم في مسئوليتهم في دعوة المسلمين إلى تحقيق الإسلام، والعمل على تصفية فهمهم للإسلام عقيدةً وأحكامًا، عباداتٍ وأخلاقًا ومعاملاتٍ، إضافة إلى مسئوليته الثابتة والأصلية في دعوة غير المسلمين إلى الإسلام لئلا تجتالهم البدع والأهواء، ولذلك قال بعض الأئمة: [[إن من رحمة الله تعالى بالأعجمي إذا استقام أن يوفق لصاحب سنة] ] .
إن الإنسان إذًا دخل في الإسلام وصورة الإسلام في ذهنه مشوهة أو منحرفة أو مشوبة بضلال أو بدعة أو فساد فإن من الصعب جدًا تعديله بعد ذلك، وكما قيل: أتاني هواها قبل أن أعرف الهوى فصادف قلبًا خاليًا فتمكنا