أولًا: الانتساب للمذاهب الفقهية.
حنفي ومالكي وشافعي وحنبلي وأوزاعي وظاهري إلى غير ذلك، فهذا الانتساب هو نوع -أحيانًا- من التفرق إذا ترتب عليه تعصب؛ لأنه في الأصل من الاختلاف المحمود، اختلاف الشافعي ومالك وأحمد ليس اختلافًا على القرآن والسنة وكلهم من رسول الله ملتمس غرفًا من البحر أو رشفًا من الديم لكنهم اختلفوا بهذا الاعتبار، لكن إذا تحول الأمر إلى نوع من العصبية والتمسك، وتقديم قول الشيخ على قول الله وقول الرسول صلى الله عليه وسلم؛ فإنه يتحول هنا إلى لون من التفرق المذموم؛ لأنه بني على تعصب، وأحيانًا يكون هو معقد الولاء والبراء، فتجد هؤلاء يوالون بعضهم بعضًا؛ لأنهم من المذهب الفقهي الفلاني، وقد يجافون من لا يوافقهم في المذهب أو في المشرب، وهذا يقع فيه كثير، تجد مثلًا حنبليًا يقول: أنا حنبلي ما حييت وإن أمت فوصيتي للناس أن يتحنبلوا نقول: هذا ليس بصواب، الناس مطلوب منهم أن يتبعوا سنة الرسول صلى الله عليه وسلم، فهو إمام الأئمة، وهو الوحيد من الناس الذي يجب على الناس اتباعه مطلقًا، وأما الأئمة فما منهم إلا راد ومردود عليه، وما منهم إلا ويؤخذ من قوله ويترك، فاعتبار أن هذا الإمام أيًا كان هو معقد الولاء والبراء، وأن الحق محصور في هذا القول أو المذهب؛ فهذا خطأ، وقد حفل التاريخ والواقع بأشياء من هذا القبيل، مثلًا: الرجل الذي كان يقول: عذيري من قومٍ، وهو مالكي، والمالكية ليسوا شديدي التعصب، لكن هذا النموذج الذي أذكره وأحفظه: عذيري من قوم يقولون كلما طلبت دليلًا هكذا قال مالك فإن قلت قالوا هكذا قال أشهب وقد كان لا تخفى عليه المسالك فإن قلت قالوا قال سحنون مثله ومن لم يقل ما قاله فهو آفك فإن قلت قال الله، ضجوا وعولوا وصاحوا وقالوا أنت قرن مماحك وإن قلت قد قال الرسول فقولهم أتت مالكًا في ترك ذاك المسالك صلى الله على محمد، أي: أن مالكًا رحمه الله أول هذا الحديث أو وجهه وجهةً معينة، وهكذا تجد أن من أصحاب المذاهب من كان يقول: كل ما خالف مذهبنا فهو منسوخ أو مؤول.
إذًا هذه المذاهب الفقهية هي تصنع أحيانًا اختلافًا بين المسلمين، وأحيانًا أخرى تصنع لونًا من التفرق.