وهنا مسألة مهمة، هل الصمت محمود في نفسه؟ لا.
الصمت ليس محمودًا بنفسه لذاته، ولذلك لا يشرع التعبد بالصمت، لا في صلاةٍ، ولا في صيامٍ، ولا في حجٍ، ولا في غيرها، أما في الصلاة، فليست الصلاة صمتٌُ محض، فالصلاة سرٌ، نعم.
فالإنسان بعد أن يكبر تكبيرة الإحرام يُسِّر، لكن لا يكون ساكتًا صامتًا، بل يقول: {سبحانك اللهم وبحمدك إلى آخر الدعاء} أو يقول {اللهم باعد بيني وبين خطاياي} كما جاء في حديث أبي هريرة المتفق عليه، وكذلك بعد قراءة الفاتحة ليس هناك صمت، وإنما المأموم يقرأ الفاتحة، ولا أرى للإمام أن يسكت سكوتًا مطلقًا؛ لأنها لم ترد عن الرسول عليه الصلاة والسلام، ولم تثبت، لكن إن سكت فينبغي أن ينشغل بقراءة قرآن، أو نحو ذلك، أما سكوت هكذا، فلا أعلم أن في الشرع أو في الصلاة تعبدًا بسكوتٍ محض، وكذلك السكوت قبل الركوع، إنما هو سكوت يسير، حتى يرتد إليه نفسه، وقل مثل ذلك في سائر العبادات، ولذلك يروي علي بن أبي طالب رضي الله عنه كما في سنن الترمذي، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: {لا صمات يومٍ إلى الليل} أي لا ينبغي ولا يشرع للإنسان أن يسكت يومًا من الصباح إلى الليل، يتعبد بذلك، هذا غير مشروع، ورأى أبو بكر رضي الله عنه امرأة حاجة ساكتة، فنهاها عن ذلك، وقال: [[هذا من عمل الجاهلية، هذا لا يحل، وأمرها أن تتكلم] ] إذًا الصمت بذاته ليس عبادة.
بعض الصوفية مثلًا، يتعبدون بأن يقفوا في الشمس، ويسكتوا أيامًا، يقولون: نعود أنفسنا الصمت، هذه عادة من عادات أهل الجاهلية، وليست مشروعة في الإسلام، فالإسلام ليس فيه تعبد بالصمت قط، إنما إذا مدح الصمت، فإنما يمدح الصمت بالنسبة إلى الكلام السيئ، مثلًا هناك إنسان يقول لنا: أيهما أفضل أتكلم بكلام لا فائدة منه، أم أسكت؟ نقول له: اسكت فض الله فاك، هناك إنسان، يقول: أيهما أفضل أتكلم بكلام حسن، أم أسكت؟ أيهما نقول له؟ نقول له: تكلم بالكلام الحسن، وهذا هو المعروف عند السلف.
والأحنف بن قيس رحمه الله ذكر الناس عنده الصمت والكلام، فقال بعضهم: الصمت خير، وقال بعضهم: الكلام خيرُُ فقال الأحنف: [[كلا والله فإن الكلام الحسن خيرُُ؛ لأن الصمت لا ينفع إلا صاحبه، أما الكلام الحسن فينتفع به الناس] ] .
وكذلك عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه كانت عنده حلقة من مجالس العلماء، وكان العلماء يجلسون في مجلس عمر بن عبد العزيز الخليفة الراشد رضي الله عنه فتكلموا في موضوع الصمت والكلام، فقال أحد العلماء في مجلس عمر بن عبد العزيز: [[إن الساكت بعلمٍ كالمتكلم بعلم] ] فقال عمر بن عبد العزيز: [[كلا والله، إني لأرجو أن يكون المتكلم بعلمٍ، أرفع عند الله منزلة يوم القيامة] ] لأنه يتكلم فينفع الناس ويأمرهم ويعلمهم، فقال الرجل: [[يا أمير المؤمنين أرأيت فتنة المنطق] ] يقصد كون الرجل يُفتتن بحلاوة لفظه وجمال كلامه، فيغتر بذلك، فبكى عمر رضي الله عنه عند ذلك بكاء شديدًا.
ومن الطريف أن ابن رجب في جامع العلوم والحكم، تكلم في موضوع الصمت والكلام في مواضع عديدة وفي أحد المواضع قال: إني رأيت عمر بن عبد العزيز في المنام، وتناقشت معه في هذه المسألة، وإنه ذكر لي قريبًا مما ذكر، أن الكلام الحسن خير من الصمت، والصمت خير من الكلام السيئ.
الخلاصة: أن الصمت لا يمدح لذاته، وليس فيه فضل لذاته، وإنما فُضِّلَ الصمت قياسًا بالكلام الرديء والبذيء السيئ.