فهرس الكتاب

الصفحة 3705 من 10422

من جهة ثالثة فهو ضمانة للبيئة من التلوث، أحيانًا قد ينتشر في البيئة جرثومة معينة تنتشر في الهواء مثلما وصل إلى أسماع الناس اليوم من قضية ما يسمى اليوم بالحرب الكيماوية، أو الأسلحة الكيماوية -مثلًا- بمجرد ما يستنشق الإنسان هذه الكيماويات أو الجراثيم أو نحوها يموت، أو يتعرض للإصابة بأمراض فتاكة.

ومثلها تمامًا جراثيم الأخلاق والأفكار تنتشر في الهواء مثلما تنتشر الجراثيم القاتلة للجسم -فمثلًا- إتاحة الفرصة لأهل الرذيلة أن يمارسوا رذيلتهم والفساد من خلال الصور، ومن خلال الأغنية، ومن خلال المجلة، ومن خلال بيت الدعارة -مثلًا- هذا يلوث البيئة العامة، ويجعل الإنسان الذي يريد الصلاح -أحيانًا- قد لا يستطيع أن يكون كما يحب؛ لأن العقبات أمامه كثيرة فقد تلوثت البيئة العامة.

وكذلك نشر الشبهات التي تشكك الناس في دينهم من خلال الكتاب والمجلة والجريدة والشريط والمحاضرة والقصيدة والأمسية هي الأخرى -أيضًا- تلوث البيئة العامة، بحيث تجد أن الإنسان يبدأ يسمع شبهة هنا وشبهة هنا، وشبهة هنا، وليس صحيحًا أبدًا أن الناس كلهم محصنون ضد الشهوات والشبهات، سبحان الله! الإنسان خلق كما قال الله عز وجل: {وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا} [النساء:28] حتى الإنسان التقي النقي الطاهر العَلَم قد يسمع شبهة، فتظل تدور في عقله أيامًا، حتى يطردها بإذن الله عز وجل، وقد يرى بعينه شهوة -امرأة حسناء- أو حتى صورة في مجلة تقع عينه عليها عن عمد- أو عن غير عمد فيجلس قلبه أيامًا مريضًا لهذه النظرة.

فليس صحيحًا أن يقال: اسمح للفساد، وأن الناس عندهم حصانة ضد الفساد، من أين أتتهم هذه الحصانة، ونحن نعلم أن الإنسان نفسه أمارة بالسوء، وجُبِلَ على الشهوات، فضلًا عن تسليط الشيطان على ابن آدم؟! ولذلك فإن إظهار المنكرات سواء كانت منكرات أخلاقية أم فكرية في المجتمع، سبب في تعرض المجتمع كله لهزات لا يعلم مداها إلا الله، ولهذا كان يقال: المنكر إذا خفي لم يضر إلا صاحبه، أما إذا أعلن فإنه يضر الخاصة والعامة، بمعنى أننا نسأل: هذا فلان من الناس الذي عنده منكر، تجد أنه إذا أراد أن يمارس المنكر يخرج إلى باب الشارع فيقفله بالمفتاح ثم يدخل إلى الباب الآخر فيقفله، وهكذا باب بعد باب بعد باب، ثم ينظر في النوافذ من هنا ومن هنا، ثم يجلس على منكره، هذا العمل يدل على ماذا؟ يدل على أن صاحب المنكر هذا يحس بأنه في وسط بيئة صالحة، وأنه يقوم بعمل ضد المجتمع، تمامًا مثل ذلك الإنسان الذي يقوم بعمل تخريبي ضد مجتمع.

لو أن إنسانًا -مثلًا- أراد أن يقوم بعمل تخريبي يخل بأمن المجتمع، هل كان يقوم بهذا العمل على قارعة الطريق؟ كلا، كان سيقوم به في سراديب مظلمة، فهو من الذين يعملون في الظلام؛ لأنه يدرك أن المنكر الذي يقوم به هو في الواقع عمل ضد أمن المجتمع، وأنه عمل تخريبي ضد أمن المجتمع، فيتستر به.

لكن ما بالك إذا كان الذي يعمل المنكر يعمله في الهواء الطلق، في الشارع، في المدرسة، في الحديقة، بل -أحيانًا- على مرأى ومسمع من ملايين الناس الذين يتابعونه عبر جهاز معين، دعاه إلى هذا أنه يحس أنه يقوم بعمل عادي، وأن المجتمع يوافقه على هذا العمل الذي يريد أن يقوم به، لا ينكر عليه ولا يعارضه، فتجرأ على مواجهة الناس بهذا الأمر.

إذًا، إذا أعلنت المنكرات معنى ذلك أن المجتمع يعاني من قضية خطيرة جدًا، في أصل وجود هذا المجتمع، وأصل القناعات الموجودة، بيئة المجتمعات العامة تلوثت بجرثومة الفساد، وكم هو مؤسف ومحزن ويجرح القلب، أن تتصور هؤلاء الأطفال من بنين وبنات في أعمار الزهور -عشر سنوات، اثنتا عشرة سنة، أربع عشرة سنة- إنهم يولدون في بيئة خاصة أو عامة فيستنشقون جراثيم الفساد، في كثير من البلدان تجد الصبي الصغير يتلقن ذلك ويتربى عليه.

كما قال نوح عليه السلام: {وَقَالَ نُوحٌ رَبِّ لا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا * إِنَّكَ إِنْ تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا عِبَادَكَ وَلا يَلِدُوا إِلَّا فَاجِرًا كَفَّارًا} [نوح:26-27] .

من يوم أن يولد الصبي الصغير وهو يرضع الرذيلة مع لبن الأم ويستنشق الفساد في الهواء، فتأتي إليه وهو ابن سبع أو ثمان سنين، فإذا سألته عن ثقافته وجدت ثقافته عبارة عن أغانٍ ومعلومات تافهه، وأمور رخيصة، إذا سألته عن دينه تجد أنه لا يستطيع أن يقرأ لك آية من القرآن الكريم.

أقول: هذا في كثير من البلاد الإسلامية، تجد أنه قد لا يستطيع أن يقرأ لك آية من القرآن الكريم ولا يقيم سورة، وتجد أن تصوراته تصورات منحرفة، فلو رأى في الشارع -مثلًا- امرأة محجبة لأصبح يركض إلى والده يحتمي به؛ لأنه يحس أنه رأى شيئًا موحشًا مخيفًا لأن بصره لم يعتد على رؤية الحجاب، فأصبح ينفر ويخاف منه تمامًا، كما يفعل الطفل في بلاد الغرب إذا رأى مثل هذا المظهر الغريب، فإنه ينفر منه ويشمئز؛ لأنه أمر غير مألوف ولا معهود.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت