{كَانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ} [الذاريات:18] يدركهم السحر آخر الليل وهم يستغفرون الله تعالى، إما أن يكونوا يستغفرونه في صلاة، وهذا أفضل الاستغفار، وإما أن يكون مستغفرًا ولو في غير صلاة، حتى لو أن الإنسان صحا في السحر وهو يتقلب على فراشه ويستغفر الله، لرجي أن يكون من أهل هذه الآية، وهذه العبادة، وهذه الصلاة، وهذا الذكر، وهذا الاستغفار من أعظم أسباب توفيق الله للعبد، وإعانته على ما يقاسيه من أمور دينه ودنياه، فإنه لا قوام، ولا قوة، ولا حول للإنسان، إلا بالله تعالى، فإذا عَبَدَ الله، أمدَّه الله تعالى بروح من عنده، فوجدته صلبًا قويًا ذا همة عالية، ولهذا كان شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله يجلس بعد صلاة الفجر يذكر الله تعالى ويسبح، ويهلل، ويقرأ القرآن، حتى يتعالى النهار ويرتفع، ويقول: هذه غدوتي، لو لم أتغدها لم تحملني قواي! يقول هذا الشيء مثل الطعام للجسد، هو لروحي مثل الطعام لجسدي، لو تركته ما استطعت أن أعمل شيئًا في ذلك اليوم، فلا بد من الزاد وخاصة لأهل الدعوة إلى الله عز وجل، ولهذا خاطب الله رسوله صلى الله عليه وسلم بخطاب في معنى هذه الآية: {يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ * قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا * نِصْفَهُ أَوِ انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا * أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَتِّلِ الْقُرْآن تَرْتِيلًاَ * إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا} [المزمل:1-5] أي أنك تحتاج إلى هذا القيام، لأنك تستعد لقول ثقيل، يُلقى عليك: {كَانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ} [الذاريات:17] {قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا} [المزمل:2] .
أ/ الإنفاق من صفات المتقين: ثم قال: {وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ} [الذاريات:19] فهم ليسوا دراويش لا يعرفون الأمور، ولا يوردونها، ولا يصدرونها! بل هم وإن كانوا من أهل الآخرة إلا أنهم لم ينسوا نصيبهم من الدنيا، فلهم تجارات، ولهم أعمال، ومزارع، ولهم خيرات في هذه الدنيا، لكنهم لم يجعلوا هذه الأشياء همهم، بل جاءتهم بغير عناء ومشقة، ولم تكن حلَّت من قلوبهم محلًا، فلذلك ينفقونها في أوجه الخير {وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ} [الذاريات:19] هم لا يرون أن ما ينفقونه فضلًا بحتًا منهم، بل يرونه حقًا عليهم، فيخرجه الواحد وهو يتخلص من شيء لو بقي لظن أنه يفسد ماله، لأنه حق للآخرين، وحق الآخرين إذا دخل في المال أفسده، فيخرج المال، ويقول: هذا حق للسائل الذي يتعرض للسؤال، ويطلب من الناس المساعدة، أمَّا المحروم فقيل هو المتعفف الذي لا يسأل، وقيل: هو الذي اجتاحت ماله جائحة ذهبت به، وقيل: هو الإنسان الذي لا يوفق في تجارته، فكلما ذهب في مشروع فشل فيه، وكلما اشترى صفقة خسر فيها، وكلما أقبل على شيء أعرض الناس عنه، فلا يكون موفقًا في التجارة، وبذلك لا يكسب شيئًا، بل تركبه الديون، ويكون محتاجًا إلى مساعدة الناس، وكل هذا داخل في المحروم، وفي معنى قوله: {وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ} [الذاريات:19] والانفاق وإخراج المال وصفه النبي صلى الله عليه وسلم، بأنه برهان، فقال: {والصدقة برهان} أي: دليل على صدق الإيمان، لأن الإنسان جُبِلَ على حب المال، كما قال الله عز وجل: {وَتُحِبُّونَ الْمَالَ حُبًّا جَمًّا} [الفجر:20] وقال أيضا سبحانه: {زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ} [آل عمران:14] وقال سبحانه: {وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ} [العاديات:8] وقال أيضًا: {الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا} [الكهف:46] فقد رُكِّب في الطبيعة حب هذه الأشياء، والمؤمن الذي يخرج المال ليس معناه أن المال عنده مثل التراب لا يبالي به، بل قد جبل وطبع على شيء من محبته، ولكن حب الإيمان، وصدق اليقين، تغلَّب على هذه المحبة الفطرية فأخرج المال، ولهذا كانت الصدقة برهانًا على صحة إيمان صاحبها، وصدق يقينه، حيث تغلَّب على هذه الشهوة الفطرية، شهوة حب المال، وأخرج هذا المال، وهذه سمة للمؤمن في كل شيء، ليس في موضوع الصدقة فحسب، بل في كل شيء، المؤمن يقدِّم ما يدعوه إليه إيمانه، لا ما تدعوه إليه غريزته أو شهوته.
فمثلًا: قد تجد المؤمن -أحيانًا- أقوى غريزة، وأكثر ميلًا إلى النساء من ذلك الفاجر الذي لا يبين له حرام إلا أسرع إليه، ولكنَّ هذا المؤمن نهى نفسه عن الهوى، وألجمها بلجام التقوى، فأعرض عن الشهوة الحرام، وإن كانت النفس تتوق إليها.
والمؤمن أيضًا قد يكون محبًا للدنيا وللبقاء، ويرغب في تجنب المعارك والحروب، ولكنه آمن بالله وبالدار الآخرة، فَوَلَّدَ هذا عنده، شجاعة ورغبة فيما عند الله، تغلَّبت على حب الدنيا، فصار يخوض المعارك، ويُسرِع إلى الموت، ويتغلَّب على شهوة حب الحياة! وهكذا الأمر في المال أو غيره، ولهذا قال: {وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ} [الذاريات:19] .
وفي الصحيح قصة صاحب الحديقة، أن رجلًا سمع صوتًا في السماء يقول: اسقِ حديقة فلان، فتأتي هذه السحابة فإذا توسطت من بستان أهراقت ماءها، وأفرغت ما فيها، وانتهى الأمر، ثم يجد رجلًًا في هذه الحديقة، رجلًا فلاحًا بسيطًا، من عامة الناس، معه مسحاة يسوي الماء بمسحاته، فيتعجب! ما اسمك؟ قال: اسمي فلان، فذكر الاسم الذي سمعه في السحاب، قال: ماذا كنت تصنع؟ قال: لا شيء إلا أني إذا خرج الزرع في هذه الحديقة، قسَّمته ثلاثة أقسام: قسم للفقير وابن السبيل، وقسم يأكله هو أولاده، وقسم يرده فيها، ليس في الأمر معجزة، ولكن فيه التغلب على شح النفس، الذي يورث توفيق الله تعالى للعبد، يورث والبركة في المال.