فهرس الكتاب

الصفحة 1015 من 10422

فمثلًا: تسلط شاه إيران زمانا على بلاده، وسام الناس سوء العذاب، واستخدم كل ما وهبه الله تعالى وكل ما مكنه منه من القوة والبطش والإرهاب والمال والتخطيط والخبراء والأجهزة الأمنية الضخمة التي كان على رأسها جهاز السافاك المشهور، استخدمها في التسلط والقوة، والبطش والقضاء على إنسانية الناس، على أنفسهم، وعلى أرواحهم، وتدمير المعنى الحقيقي لوجود الإنسان، واستخدم من وراء ذلك الدعم الغربي الذي كان يملكه، لأنه كان يقوم بالدور المشبوه، كشرطي في المنطقة يعمل لخدمة المصالح الغربية.

وظل على هذا زمانًا طويلًا، وبالمقابل أيضًا كان هذا الرجل فاسدًا بكل ما تحمله هذه الكلمة من معنى، فاسدًا في أخلاقه، لا يعرف إلا في الليالي الحمراء الداعرة التي كان يقيمها في كل مكان، وما زالت الوثائق تحتفظ بتاريخه الأسود في مثل تلك الليالي الحمراء السوداء، ظل على هذا زمانًا طويلًا، ثم حقت عليه سنة الله تعالى فسقط.

فالذين يدركون حقيقة السنن الإلهية، نظروا واعتبروا، وقالوا: لقد حقت السنة على هذا الظالم الآثم الفاجر اليوم، وتحق السنة غدًا على إخوانه ونظرائه ممن فعلوا مثل فعله، وسلكوا مثل طريقه، لكن آخرين ممن يجهلون السنن الإلهية، ولا يعرفون ربط الأسباب بالنتائج، يقولون: لا، لا يمكن أن يكون هذا نتيجة انطباق سنة على هذا الظالم الآثم الباغي، بدليل أن هناك ظالمين آثمين باغين طغاة آخرين، لم تجر عليهم هذه السنة، ولا زالوا يتمتعون بمثل ما كان يتمتع به في الأمس، فيجهلون لذلك السنة، وينسون أن هؤلاء لم يأت عليهم الدور بعد، وسنة الله تعالى ماضية في الأولين، كما هي ماضية في الآخرين.

مثل آخر: سقوط الشيوعية -مثلا- لمخالفتها للسنة، ومخالفتها للشرع، ومخالفتها للفطرة، هذا السقوط يمكن أن يفسره إنسان على أنه سنة إلهية حقت على هذه الأمة الكافرة الظالمة الملحدة، لكن تجد آخر يقول لك: لا، يا أخي، لو كان ذلك كذلك، فلماذا نجد أن الغرب الآن ممكَّن، يملك القوة، ويملك البطش، ويملك الإرهاب، ويملك كل وسائل التمكين في الأرض، فلو كانت السنة حقت على الشرق الكافر الملحد، لماذا لم تحق السنة على الغرب العلماني أيضًا؟ وأقول: إن السنة التي حقت على الشرق، ستحق على الغرب، والسنة التي حقت على شاه إيران، ومن قبله من الطغاة، كـ النمرود، وفرعون، وهامان، وقارون، وأبي جهل، وأبي بن خلف، وغيرهم، سوف تحق على إخوانهم شاءوا أم أبوا، عرفوا أم جهلوا، أدركوا أم لم يدركوا، فسنة الله تعالى لا تحابي أحدًا، ولا تجامل أحدًا، وهي ماضية على هؤلاء كما مضت على أولئك، لكن لا يلزم أبدًا أن تكون الصورة واحدة، فمثلًا سقوط الغرب، لا يلزم أن يكون بنفس الصورة التي سقط بها الشرق.

الشيوعية -مثلًا- كانت تسلك أسلوب القوة، وأسلوب الاستبداد والقهر والدكتاتورية، الحكم بالبطش والحديد والنار، وهذا يستفز مشاعر الناس، يهيجهم، ويحركهم، ويبعث فيهم التحدي والمواجهة والمقاومة، ولذلك فإن الشيوعية تهاوت بسرعة، لأن الناس كانوا مليئين بالأحقاد والضغائن والكراهية، عليها فما أن أتيحت لهم أول فرصة مما يسميه جورباتشوف بالبروسترويكا، أي الإصلاح والتغيير، أو إعادة البناء، إلا وبدأ الناس يتذمرون ويعربون عن مشاعرهم، حتى وصلت الشيوعية لا أقول وصلت، لأنها لم تصل بعد إلى الحضيض، لكنها بدأت تتهاوى، وبدأ الغرب يتخوف من النتائج الأليمة، التي سوف تتبع ذلك، فقبل أيام كنت أقرأ تقاريرًا، تتوقع احتمال حصول حروب أهلية نووية مدمرة بين الجمهوريات السوفيتية، ويتكلمون عن أن أكبر خطأ في تقديرهم هم، في تقدير مخابراتهم الغربية أكبر خطأ، وقعوا فيه، هو أنهم لم يسارعوا إلى إسعاف الاقتصاد الروسي، في فترة مضت، تأخروا وتباطئوا في ذلك مما ترتب عليه وصول الجمهوريات السوفيتية إلى درجة لا يمكن تداركها أو تلافيها.

أما الغرب فلا شك أن النظام الذي يحكمه ليس نظاما استبداديًا، ولكن نظام ديمقراطي، ولذلك سوف تكون الطريقة التي ينهار بها الغرب، مختلفة -والله تعالى أعلم- عن الطريقة التي انهار بها الشرق، فإذا كان انهيار الشرق انهيارًا سريعا عارمًا في لحظة، فانهيار الغرب لا يمنع أن يكون بطيئا تدريجيًا، قد لا يحس به الكثيرون، إلا الذين يرقبون الأحداث بدقة وبصيرة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت