ولقد اشترط العلماء -رضي الله عنهم- شروطًا للفتوى، فضلًا عن الاجتهاد، لا تتوفر إلا في القليل.
من هذه الشروط مثلًا الإسلام، فالكافر أو المرتد هو فاقد للأهلية، وليس من حقه أن يتكلم في ذلك حتى يسلم إن كان كافرًا، أو يعلن توبته إن كان مرتدًا على الملأ، فحينئذٍ يسلك الطريق، ويبدأ يتعلم حتى يصبح أهلًا لما وضعه الله تعالى له.
الشرط الثاني: هو التكليف، فإن غير المكلف الذي لم يصل إلى درجة أن يكون مكلفًا شرعيًا لا يفتي أيضًا.
الشرط الثالث: هو العدالة، فالفاسق سواء أكان فسقه بقول أم كان فسقه بفعل أم كان فسقه باعتقاد، هذا لا تقبل فتواه، ولا يسمع قوله، وهذه الشروط الثلاثة التي هي الإسلام والتكليف والعدالة مجمعٌ عليها عند العلماء، أنه لا بد من توفرها في المفتي، أو في المتكلم في أمور الشرع.
وهناك شروط أخرى اختلفوا فيها منها الاجتهاد فبعضهم يقول: لا يقبل قول مفتٍ إلا أن يكون مجتهدًا، ومعنى كونه مجتهدًا أن يكون عالمًا بالكتاب والسنة، عالمًا بلغة العرب، عارفًا بأصول الفقه، عارفًا بالإجماع؛ لئلا يأتي بقول يناقض الإجماع وهو لا يدري، وكذلك أن يكون عارفًا باختلاف العلماء، حتى يستطيع أن يميز الاختلاف، ويأخذ بالقول الراجح ويترك القول المرجوح.
كما اشترط آخرون جودة القريحة، واليقظة، وكثرة الإصابة، والذكاء، وهو ما يعبر عنه الإمام الجويني وغيره، بأن يكون المفتي فقيه النفس، أي يكون عنده يقظة وانتباه وذكاء، بحيث يعرف حيل الناس، ويعرف ألاعيبهم ويعرف طرائقهم، ويستطيع أن يتوصل إلى الحق بأسلوب مناسب.