أولًا: عنوان هذه الكلمة يوحي بأهمية الاجتماع والأمر به، والنهي عن التفرق في الدين، ويجب أن ندرك -أيها الأحبة- أن ثمة فرقًا بين التفرق وبين الاختلاف؛ فالله سبحانه وتعالى في تنزيله نهى عن التفرق مطلقًا، ولهذا نقول: كل تفرق فهو مذموم، حتى إن النبي صلى الله عليه وسلم كان ينهى أصحابه عن التفرق بالأجساد، ويقول لهم: (إن تفرقكم في هذه الشعاب والأودية إنما هو من الشيطان) فكانوا إذا نزلوا واديًا اجتمعوا حتى لو وضع عليهم بساط لوسعهم.
فالتفرق مذموم في الأحوال، والأقوال، والمذاهب، والمواقف، والأبدان أيضًا إذا كان تفرقًا مبنيًا على غير سبب، ولهذا قال الله عز وجل: {وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا} [آل عمران:105] .
أما الاختلاف فليس مذمومًا بالإطلاق، بل منه ما هو مذموم ومنه ما هو محمود، ولهذا قال في الآية بعدها: {وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمْ الْبَيِّنَاتُ} [آل عمران:105] .
إذًا فالاختلاف المذموم، والاختلاف في الكتاب أو الاختلاف على الكتاب هو اتباع الهوى؛ أن يختلفوا من بعد ما جاءهم البينات، وإلا فقد يكون اختلافًا محمودًا، ومن أمثلته: اختلاف التنوع؛ أن يكون إنسان يعمل خيرًا وآخر يعمل خيرًا غيره، أو هذا يرى رأيًا باجتهاده، وهذا يرى رأيًا مختلفًا، كما وقع، وسنتبين جوانب من هذا الموضوع.
إذًا: التفرق مذموم بالإطلاق، وأما الاختلاف فمنه المذموم ومنه المحمود، والتنوع هو سنة ربانية قامت الحياة كلها على أساسه، فالله تعالى خلق من كل شيء زوجين، وجعل تنوعًا في أشكال الناس ومظاهرهم وألوانهم، وفي مخلوقات الله تبارك وتعالى، وفيما يراه الإنسان من حوله، فهذا التنوع هو جزء من ثراء الحياة الإنسانية، وجزء من التجدد والطرافة فيها، ولذلك يقول المتنبي: تخالف الناس حتى لا اتفاق لهم إلا على شجبٍ والخلق في الشجب فقيل تخرج نفس المرء سالمة وقيل تشرك جسم المرء في العطب يعني: أن الناس اختلفوا في كل شيء إلا في الروح، وحتى الروح اختلفوا فيها، فقيل: إنها تفنى مع الجسد.
وقيل: تسلم.
ولا شك أن هذا من كلام الشعراء: {وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمْ الْغَاوُونَ} [الشعراء:224] والمقصود الذي نقره من هذه الأبيات هو: أن الاختلاف شيء عميق في الحياة البشرية.
التفرق المذموم -أيها الأحبة- هو اتباع لسنة أهل الكتاب الذين: {تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمْ الْبَيِّنَاتُ} [آل عمران:105] ولهذا نهى الله سبحانه وتعالى عن اتباع هديهم وسنتهم، والتفرق المذموم مخالفة لمقتضى المصلحة والعقل والرشد والبصيرة، ولهذا قال الله تعالى عن اليهود: {تَحْسَبُهُمْ جَمِيعًا وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَعْقِلُونَ} [الحشر:14] فاختلافهم بسبب نقص عقولهم.
وكذلك التفرق هو نقض لأساسٍ من أسس الشريعة، فإن الشريعة جاءت بوحدة المسلمين، ولهذا كان الخطاب في القرآن الكريم جماعيًا، وما لا يحصى من الآيات: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا} [البقرة:104] {وَالْعَصْرِ * إِنَّ الإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ * إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ} [العصر:1-3] ومعظم أحكام الشريعة لا يمكن تنفيذها إلا من خلال وحدة واجتماع.
كيف تستطيع أن تطبق الأخلاق الإسلامية, وتعرف إن كنت صبورًا، أو كنت حليمًا، أو كنت كريمًا، أو كنت شجاعًا؟ إلا من خلال الاختلاط بالناس كيف تستطيع أن تؤدي شعائرك؛ فتصلي، وتصوم، أو تحج أو تعتمر؟ إلا من خلال الاختلاط بالناس.
إذًا: التفرق اتباع لسنة أهل الكتاب، ومخالفة لما تقتضيه العقول السليمة والبصائر المستقيمة، وهو نقض لأساس من أسس الشريعة.
ونحن -أيها الأحبة- لا نتحدث فقط عن الدعاة والاختلافات التي تقع بينهم، أو العلماء واختلافهم في الفتوى، أو ما يسمى بالإسلاميين وتنوع مشاربهم ومذاهبهم فحسب؛ وإنما نتكلم عن الاختلاف بين المسلمين، الاختلاف الذي يضرب هذه الأمة، وإذا كنا نشهد في التاريخ الإسلامي ألوانًا من الاختلافات التي لم يكن لها سبب ولا مسوغ ولا مبرر، والتي قضت على وحدة المسلمين وأكلت جهودهم وطاقاتهم، ومكَّنت أعداءهم منهم في غير مرحلة، فإننا نشهد في واقع المسلمين اليوم ألوانًا وألوانًا من هذا الاختلاف، جديرة بمبضع الجراح الذي يقوم بعلاجها.