أبرز صفة في الموسوس، هي صفة التردد والشك، فهو يشك في كل شيء، بحيث أن اليقين في نفسه عزيز لا يكاد يوجد، فهو يشك هل صليت؟! هل توضأت؟! هل قمت بهذا العمل؟! هل أحدثت؟! ربما نقضت أثناء الوضوء، فيعيده من جديد، وهكذا، ثم إذا انتهى -مثلًا- من الوضوء وبدأ بالصلاة، رجع يشك في الوضوء، وربما يقول: بنيت على أمر غير صحيح في هذه العبادة وما بني على باطل فهو باطل، إذًا فيرجع ليتوضأ مرة أخرى، ثم يرجع ليصلي مرة أخرى، وهكذا فهو في شك مريب لا يكاد يزول عنه بحال من الأحوال.
فإذا طالت شكواه وامتد به المرض، واكفهرت في وجهه الأحداث، فزع إلى مفتٍ من المفتين، أو عالم من العلماء يسأله، فإذا سأله بدأت الشكوك تتناوبه مرة أخرى: ربما المفتي لم يفهم مسألتي، ولم يعطني فرصة لأعرض له بالضبط ماذا أعاني، ولذلك فهو لا يدري بالضبط ماذا عندي، وربما أفتاني بأمر لا يتعلق بي، ثم إن هذا المفتي أفتاني بحسب اجتهاده هو لكن أنا غير معذور في قبول فتواه، مادام أنني أتوقع أنه لم يعلم بما عندي، ويمكن أن هذا المفتي أجابني يظن أن عندي وسواسًا، والذي عندي في الواقع ليس بوسواس، بل هو أمر حقيقي أنا أعرفه وإن لم يعرفه الناس، وهكذا بسبب اتساع دائرة الشك في قلب الموسوس، حتى أصبح يشك في كل شيء، يشك في نفسه وأعماله، يشك في وضوئه، وصلاته، يشك في نيته، وصيامه، يشك هل بلغ الكلام للناس، أو لم يبلغ، هل قال أو ما قال، هل فهم الناس ما يريد أو لم يفهموا.
يشك في الفتوى، ويشك في الشك أيضًا.
ولهذا تلاحظين ولع الموسوسين بالتفاصيل، فهم حريصون على أن يتحدثوا إليك عن كل دقيق وجلي، وعن كل شيء، وعن جميع الجزئيات والخطرات والأفكار التي دارت في ضمائرهم، والأحوال التي عاشوها، ويتمنى الواحد منهم أن يعطيك تاريخًا مفصلًا لحياته، خاصةً منذ بدأ يعاني من موضوع الوسواس إلى حال التاريخ، ويفصل ويكرر بصورة مملة جدًا، لأنه كلام يعرفه من قبل، ومكرر، وغير ذي جدوى، لكن الموسوس يخيل إليه أن هذا كان ضروريًا؛ لأن الوسواس مع الأسف تعدى حتى إلى السؤال، فأصبح وهو سائل موسوسًا في سؤاله فيذكر أشياء كثيرة لا تعلق لها بالموضوع ولا قيمة لها.
وربما أقول: إن كثيرًا من الأسئلة الذي يوجهها الموسوس إلى العلماء، والمشايخ، ربما إنه لا يحتاج إلى السؤال عنها أصلًا، فإجابتها معروفة وجاهزة وحاضرة، بل -مع الأسف الشديد- ربما يكون هذا الموسوس سمع الفتوى الواحدة من عشرة علماء، وبالنسبة للأخوات يتصلن بالهاتف على عشرات المشايخ في أنحاء البلاد، وتعيد السؤال نفسه، وتكرره، وتظن أنه يمكن أنه لم يجبها الجواب الصحيح، ويمكن لم يفهم، وربكت أجابها مراعاة لكونها موسوسة ولم يعطها الجواب الشرعي الأصلي، فإذا عملت بالجواب الذين تظن أنه لمراعاة حالها ثم بعد فترة قالت: ربما زال عني الوسواس، إذًا أرجع إلى الوضع الطبيعي مثل غيري من الناس، وهكذا تظل في أمر مريج، وقد تختلف إجابات أهل العلم، لأنه ربما أن بعضهم لا يعلم أنها موسوسة، أو يختلف اجتهادهم في هذا تبعًا لاختلافهم في أمور كثيرة، الفتوى قد تتغير من عالم لآخر بحسب اجتهاده، فهذا الاختلاف -أيضا- يوقعها في حيرة، وقد تأخذ نفسها بالأشد، ويكون في ذلك من العنت عليها ما فيه، وكثيرًا ما تقول الموسوسة: الناس لا ينفعونك، وهؤلاء المفتون لا يمكن أن ينقذوك من النار، وقد أموت بلا وضوء، بلا صلاة، بلا صيام، بلا حج، وهكذا سيظل هذا لهيبًا في قلبها يحرقها، والواقع أن الذي يوقد هذا اللهيب، وهذا الجمر ويضع عليه هذا الحطب، هو شخص اسمه إبليس، وهو الذي يحتاج إلى أن يعلن الموسوس وتعلن الموسوسة عليه حربًا لا هوادة فيها حتى يخرج من قلبه.
إذًا: فأول صفة للموسوس هي صفة التردد والشك، الذي لا يكاد يوجد معه يقين، ولذلك فإن الموسوس يقال له: إنه لا يطلب منه اليقين في سائر أموره الشرعية، كما يطلب من غيره في كثير منها، بل إنه يكفي أن يعمل بما يغلب على ظنه في مثل هذه الأمور، وما ظهر له وما تيسر دون أن يحتاج إلى يقين في ذلك، وقد ذكر أهل العلم أن موسوسًا جاء إلى أبي الوفاء بن عقيل الحنبلي رحمه الله وهو من أذكياء الفقهاء وعظمائهم، فقال له: إني أنغمس في الماء، ثم أخرج وأخشى ألاَّ أكون بلَّغت الماء إلى جسدي للاغتسال من الجنابة، فقال له أبو الوفاء بن عقيل رحمه الله: اذهب فإنه لا وضوء عليك ولا غسل ولا صلاة، فقيل له في ذلك يرحمك الله: كيف أفتيته بهذا؟! قال: هذا مجنون!! والواقع -وأرجو ألا تكون الكلمة حارة- أن الوسواس شعبة من الجنون في كثير من الأحيان، وأنك تشك في استقامة عقل من أمامك من الموسوسين حين تسمع منه بعض الأسئلة، وبعض التفاصيل، وبعض الاستفسارات، وتجد منه بعض التلون، فأنت تدخله من باب فيخرج من باب آخر، ويعرض إليك الموضوع الواحد بعشرين صورة وكأنه لا يعي ولا يعقل ولا يفقه، وكأنه لا يدرك شيئًا، ولهذا فكأنه مولعٌ أبدًا بالحديث عما يعاني غير ملتفت إلى ما يسمع، وما يراد له أن يسمع.