إنه كان من المنتظر أن يكون ثمة فترة مراجعة وتصحيح للحقبة الماضية من التأريخ، وفترة مكاشفة للنفس وصدق مع الله تعالى، بدلًا من أن تكون الفترة فترة هجوم على طبقة من أنبل وأفضل طبقات المجتمع.
كان المنتظر أن نكتشف في هذه الفترة الحسد الذي كان يأكل قلوب طائفة منا، وقد جاء في سنن أبي داود: {إياكم والحسد فإنه يأكل الحسنات كما تأكل النار الحطب} وأن نكتشف الظلم الذي كان يحكم حياتنا الاجتماعية والسياسية، وفي الصحيحين: {الظلم ظلمات يوم القيامة} وكان من المنتظر أن نكتشف الرياء الذي كان يهيمن على تصرفاتنا، واحتفالاتنا، واجتماعاتنا فيجعلها مكروهة ممقوتة بعيدة عن الصدق والوضوح، وفي مسند أحمد عن محمود بن لبيد مرفوعًا: {إن أخوف ما أخاف عليكم الشرك الأصغر: الرياء} وسنده حسن.
كان من المنتظر أن نكتشف ظن السوء الذي يخيم على قلوبنا، ويحكم نظرتنا إلى الآخرين من بني جنسنا وبني ديننا، ويحكم علاقة بعضنا ببعض، وفي الحديث: {إياكم والظن فإن الظن أكذب الحديث} وهو في الصحيحين، وأن نكتشف الغش، والخديعة، والاستئثار عن الرعية بالمال والسلطان، وإثقال الكواهل بالرسوم والضرائب، وفي المتفق عليه {ما من وال يسترعيه الله على رعية يموت يوم يموت وهو غاش لرعيته إلا حرم الله عليه الجنة} وأيضًا عن عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: {اللهم من ولي من أمر أمتي شيئًا فشق عليهم فاشقق عليه} رواه مسلم.
كان من المنتظر أن نكتشف السلب والنهب بغير حق، وضياع الثروات في غير طائل، وفي صحيح البخاري عن خولة الأنصارية مرفوعًا: {إن رجالًا يتخوضون في مال الله بغير حق فلهم النار يوم القيامة} .
وكان من المنتظر أن نكتشف الفحش، والبذاءة، والسباب في أساليبنا، وفي عباراتنا، وفي إعلامنا، وفي صحافتنا، وفي ألسنتنا، وفي أقوالنا ومقالاتنا، وفي حديث أبي الدرداء الذي رواه الترمذي وصححه: {إن الله تعالى يبغض الفاحش البذيء} وفي حديث آخر في الصحيح: {إن اللعانين لا يكونون شفعاء ولا شهداء يوم القيامة} .
كان من المنتظر أن نكتشف الاستكبار في الأرض، والتعاظم على عباد الله من الفقراء، والعمال، والمعوزين، والمحتاجين، والضعفاء، وغيرهم الذين بسببهم تدفع الآفات، والمصائب، وبدعائهم يستمطر المطر من السماء.
وفي حديث ابن عمر: {من تعاظم في نفسه واختال في مشيته لقي الله تعالى وهو عليه غضبان} وفي الحديث الآخر: {من ضار مسلمًا ضاره الله، ومن شاق مسلمًا شقَّ الله عليه} رواه أبو داود والترمذي وحسنه.
وكان من المنتظر أن نكتشف ونتخلص من الجاسوسية، التي جعلت كثيرين كأنهم يعيشون في عالم من الأشباح والمخاوف، أو غابة من الأوهام، وفي القرآن يقول الله تعالى: {وَلا تَجَسَّسُوا} [الحجرات:12] وفي صحيح البخاري عن ابن عباس مرفوعًا: {من تسمع حديث قوم وهم له كارهون صب في أذنيه الآنك يوم القيامة} .
كان من المنتظر أن نكتشف ونعالج تلك الأمراض الفتاكة التي تفتك بمجتمعنا، وتحتاج إلى اليد الحانية التي تعالجها، وتشخصها، وتجعلنا أمام أنفسنا في العراء وجهًا لوجه.
وقد كان في هذه الموضوعات وغيرها غُنْيَةُ، أي غنية عن إثارة المعارك الحامية مع الآخرين، ممن لا يملكون صوتًا كصوتنا، ولا بذاءة كبذاءتنا، ولا قلة حياء كقلة حيائنا.