أيها الأحبة: لقد حدثت -كما تسامع الكثيرون- حملات متعددة من الاعتقالات كان آخرها في غضون هذا الأسبوع شملت مجموعة من الدكاترة والمشايخ والفضلاء، كان من آخرهم فضيلة الشيخ الدكتور سفر بن عبد الرحمن الحوالي، وفضيلة الدكتور عبد الله بن حامد الحامد، والدكتور محسن العواجي، وغيرهم من طلبة العلم والشباب، وقد أكون فردًا صغيرًا ضمن هذه القافلة المباركة إن شاء الله تعالى.
وحقيقة يعلم الله أني لا أكره مشاركتهم ولا مشاركة غيرهم في هذا الشرف الذي نتوج به رءوسنا وجباهنا؛ لأنني كلما اعتقل شاب من أبناء هذه البلاد المباركة صغيرًا أو كبيرًا بغير جرمٍ اقترفه، أو ذنب فعله، شعرت وأنا عاجز عن أن أعمل له شيئًا -لأنه ليس هناك مجال للصوت ولا للكلام- شعرت بتوبيخ يجعلني أتمنى أن يكون الأمر علي دون أن يكون على غيري، وأكون في موقف المتفرج عليهم.
ولذلك فإن مثل هذا العمل يدفع عني وعن أمثالي من الإخوة الدعاة والمصلحين إحراجًا كبيرًا نواجهه أمام جموع الشباب وغيرهم ممن قد يظنون أننا نتخلى عن قضيتهم، أو أنهم يذهبون بها ويتلقون بعض الأذى، أما نحن فآمنون سالمون في أولادنا وأهلنا، فنحن نقول لهم: نحن معكم في السراء والضراء، ويجب أن نكون قبلكم في كل أمر تتعرضون له أو يتعرض له غيركم، هذا فضلًا عما يعلمه الجميع من أنه منذ فترة ليست بالقصيرة كنا تحت طائلة من الإجراءات الظالمة التي شملت الفصل عن الأعمال، والمنع من الدروس والمحاضرات والخطب والندوات والتسجيلات، وغيرها من الأشياء التي هي مجال الدعوة إلى الله تعالى ووسيلة مخاطبة الناس بما يعتقد الإنسان ويدين.
إن مثل هذه الأشياء التي حدثت كلها لا نعدها شيئًا يذكر بالقياس إلى هذا الطريق الذي سلكناه، والكثير من الإخوة يقدمون أحيانًا لونًا من التعزية أو التصبير أو التثبيت، وقد جاءني مرة أحد الشباب من إحدى المناطق -ربما قطع أكثر من خمسمائة كيلو متر- وقال لي: ما أتيت إلا لأقرأ عليك حديث ابن عباس رضي الله عنه: {يا غلام! إني أعلمك كلمات احفظ الله يحفظك، تعرف إلى الله في الرخاء يعرفك في الشدة، إذا استعنت فاستعن بالله، وإذا سألت فاسأل الله، واعلم أن الأمة لو اجتمعوا على أن ينفعوك لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك، ولو اجتمعوا على أن يضروك لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك، رفعت الأقلام وجفت الصحف} ثم خرج من عندي ومضى لحال سبيله، ولقد كان لهذه الكلمات وقع عظيم حتى كأني أسمعها لأول مرة؛ لأنني سمعتها من إنسان مخلص يتكلم قلبه قبل أن يبين لسانه.