والبعض جبلوا على أنهم يريدون الأشياء الطيبة ولكن دون عناء وكلفة، فهم يعيشون أحلامًا لا رصيد لها من الواقع، وأمنيات مجردة لا تشبع جائعًا ولا تروي عطشانًا.
وإذا كنا نسلم بأن واقع الأمة واقعٌ مريض، لا أقول: منذ سنوات بل ربما منذ قرون، أفلا يحق لنا أن ندرك أن التغيير يتطلب كثيرًا من التكاليف وكثيرًا من الآلام؟ حين قام الرسول صلى الله عليه وسلم بدعوته في أنحاء مكة، أما عد المشركون -عمله هذا ودعوته إلى التوحيد- تمزيقًا للوحدة الوطنية، وتشتيتًا لكلمة القبيلة، وتمهيدًا لحرب أهليةٍ ضروس قامت فعلًا في بدر، فالتقى القرشي مع القرشي، بل التقى الأخ مع أخيه، والقريب مع قريبه، وابن العم مع ابن عمه، والأب مع ولده، نعم! هي حربٌ أهلية؛ لكن بين من ومن! بين الإسلام والكفر، بين التوحيد والشرك، بين الإيمان والجاهلية؟! أما قال المشركون: إن هذا سعيٌ في قطيعة الرحم، على الرغم بأن الرسول صلى الله عليه وسلم ما بعث إلا بصلة الأرحام؟! أما اعتبروا دعوة الرسول صلى الله عليه وسلم فتنةٌ تهدد سيادتهم على العرب وعلى الجزيرة العربية؟ بلى! لقد قالوا ذلك وأكثر منه، قالوا: {أَمْ يَقُولُونَ شَاعِرٌ نَتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ الْمَنُونِ * قُلْ تَرَبَّصُوا فَإِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُتَرَبِّصِينَ * أَمْ تَأْمُرُهُمْ أَحْلامُهُمْ بِهَذَا أَمْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ * أَمْ يَقُولُونَ تَقَوَّلَهُ بَلْ لا يُؤْمِنُونَ * فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ إِنْ كَانُوا صَادِقِينَ} [الطور:30-34] ولا بأس أن نقضي بعض الوقت مع بعض الأمثلة المهمة: