أيها الأحبة: لو تأملنا لوجدنا أن حب الحياة أورد كثيرين الموارد المهلكة، فكم من إنسان تلجلجت كلمة الخير في فمه واحتجبت وتوقفت! بل ونطق وجهر بالباطل الذي يعلم هو في قرارة نفسه أنه باطل لا يرضي الله تعالى ولا رسوله صلى الله عليه وسلم، وأنه سيسخط عليه أيضًا عباد الله الصالحين، ولكنه نطق وربما جهر به، لا لشيء إلا تشبثًا بهذه الحياة وحبًا لها.
وكم من إنسان فر من المعركة خوفًا من الموت، فقد تكون هذه المعركة معركة السلاح التي تتلاقى فيها السيوف ولها بريقٌ ولمعان، وتنزف فيها الدماء، وتتطاير فيها الرءوس، فربما فر منها وهو يرجو الحياة والبقاء، ويخاف أن يأتيه حتفه فيها، أو قد يكون فر من المعركة الكبرى: معركة الإسلام مع خصومه وأعدائه شحًا بالحياة وبخلًا بها.
وإنما شَحَّ وبَخل؛ لأنه لم يفقه معنى الحياة، ولم يفقه سر تغير الأيام والليالي وتبدلها وتحولها؛ وأن الإنسان كما لو كان في قطار يسير به سيرًا وعلى ظهر هذا القطار الإنسان الغافل، والإنسان اليقظ، والنائم، والصاحي، والعاقل والمجنون وغيرهم.