كذلك من عناية الإسلام بقضية الباطن، أن العبرة في الإسلام أن العمل بحقيقته قبل أن يكون بمظهره، وأضرب على ذلك بعض الأمثلة: الإيمان شرط في كل الأعمال، ولا يقبل الله تعالى العمل حتى يؤمن صاحبه؛ ولهذا قال الله تعالى عن الكفار: {وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا} [الفرقان:23] والإيمان في القلب كما قال الرسول صلى الله عليه وسلم: {الإسلام علانية والإيمان في القلب} .
فالإيمان شرط لكل الأعمال، وهو سابق لها؛ ولهذا جاء ذم المنافقين في القرآن الكريم كثيرًا في سورة التوبة وفي غيرها، بل هناك سورة خاصة بهم؛ مع أنهم يصلون مع النبي صلى الله عليه وسلم، وقد يحجون معه، وقد يجاهدون، حتى أن بعضهم يقتل في المعركة أيضًا ومع ذلك جاء ذمهم وأنهم في الدرك الأسفل من النار، تحت الكفار، لأنهم فقدوا الشرط الأصلي الذي هو شرط الإيمان، ومثله أيضًا جاء ذم الخوارج على لسان الرسول عليه الصلاة والسلام -مع أن أعمالهم طيبة في ظاهرها- قال الرسول عليه الصلاة والسلام في الحديث: {يحقر أحدكم صلاته مع صلاتهم وصيامه مع صيامهم، وقراءته مع قراءتهم يقرءون القرآن -رطبًا طريًا- لكن لا يجاوز حناجرهم، يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية} .
إذًا: القضية ليست قضية مظهر فقط! فلا بد من ظاهر وباطن، والإيمان شرط في كل الأعمال، ولأن الخوارج فقدوا الإيمان، ذمهم الرسول عليه الصلاة والسلام، بل جاء ذمهم في القرآن كما ذكر بعض أهل العلم في قوله تعالى: {وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خَاشِعَةٌ * عَامِلَةٌ نَاصِبَةٌ * تَصْلَى نَارًا حَامِيَةً} [الغاشية:2-4] حملها بعضهم على الخوارج.
ومثلهم جاء ذم المنافقين في الكتاب والسنة كثيرًا؛ لأن أعمالهم الظاهرة طيبة، ولكن أعمالهم الخفية فاسدة.