أحوال المجتمع فمن الخطأ الكبير أن نعتقد أن المتطرف شجرة نبتت في الصحراء, وهذا خطأ, بل هو فرع عن شجرة وهو جزء من مجتمع عاش فيه, ولهذا المجتمع في نفسه وتفكيره وعقله أعظم الأثر, فمثلًا التطرف في الانحراف يؤدي إلى تطرف مقابل سواء الانحراف الفكري أو الانحراف العملي, ولذلك فالذين يجرون المجتمعات الإسلامية إلى الفساد والانحلال الخلقي هم في الحقيقة من المتسببين لحصول الغلو, وإن أعلنوا الحرب عليه وعلى ما يسمونه بالتطرف, إلا أنهم من أول المتسببين فيه.
فمظاهر الرذيلة في المدرسة والجامعة والشارع والشاطئ والمتجر والحديقة والشاشة والإذاعة وغير ذلك, إذا أقرها المجتمع وسكت عنها، فإنه يجب عليه أن يستعد للتعامل مع أنماط كثيرة من الغلو, هذا إذا كان دور المجتمع هو فقط السكوت عنها, فما بالك إذا كان دور المجتمع بكليته هو تشجيع مظاهر الانحراف ودعمها, وحمايتها, وحراستها, وتبنيها, سيكون الأمر ولا شك أخطر.
وقل مثل ذلك في الأوضاع الثقافية والإعلامية كمحاصرة فكرة من الأفكار, أو إغلاق منافذ التعبير والكلام أمامها، سواء الصحيفة أو الإذاعة أو التلفاز أو غير ذلك, فهذا سبب لأن تتبلور لدى هذه المجموعة فكرة الغلو أحيانًا أو على الأقل فكرة المواجهة والسعي لإثبات الذات.
ومن الغريب جدًا أن الإعلام العربي خاصة, يتهم من يسميهم بالمتطرفين بأنهم لا يتسامحون مع غيرهم, أو أنهم يسعون لإسكات الأصوات الأخرى التي تخالفهم, مع أننا نعلم أن هؤلاء الناس لا يملكون شيئًا أصلًا, لا يملكون أجهزة الإعلام، ولا يملكون الصحافة، ولا يملكون المنابر، بل الكثير منهم لا يملك حق الاجتماع بعشرة أو أقل من هذا العدد, فكيف يقال: إنهم يغلقون منافذ التعبير عند غيرهم, والواقع أن هذا الإعلام المهيمن هو الذي أصبح حكرًا باتجاه معين أو مذهب خاص, أو طائفة محدودة وأصبح يبخل على الآخرين ببضعة أسطر أو ببضع دقائق فضلًا عن أن يساويهم بغيرهم في كافة الأجهزة الإعلامية.
لقد صودرت الآراء النزيهة المعتدلة, فضلًا عن الآراء الغالية أو المتطرفة، ومثل هذا الوضع لابد أن يولد آلافًا من الأمراض في المجتمعات.
أحد الدعاة المعروفين اعتذرت صحف دولة بأكملها عن نشر بعض مقالات له, مهما كان مضمون هذه المقالات بسيطًا وعاديًا وبعيدًا عن الإثارة, المهم ما دامت المقالات باسم فلان فإن نشرها متعذر, وهذا إن كان سياسة عامة فهو مشكلة كبيرة, وإن كان اتفاقًا أو أمرًا حصل بالاتفاق وبالصدفة فهو مشكلة أكبر إذْ أنه يدل على أن المتنفذين في الصحافة وأجهزة الإعلام العربية هم نسخة مكررة عن بعضهم.
وقل مثل ذلك بالنسبة للأوضاع السياسية، فإن الكبت والتسلط والقهر لا يمكن أن يؤدي إلى قتل إنسانية الشعوب, والقضاء على كرامتها، لا, ولكنه يؤدي مع الزمن إلى أن تفقد الثقة بقياداتها, ثم تعمل في الاتجاه المضاد, وتعتبر هذه القيادات ضد مصالح الأمة, وأنها عقبة في سبيل الإنجاز لا بد من تجاوزها, ومن تناقضات الإعلام هنا أيضًا أن يستنكر الإعلام عمليات الاغتيال, التي تمارسها بعض الجماعات الإسلامية أو تنسب إليها أحيانًا, ويعتبر أن هذه العمليات جرائم نكراء على حين أنه لا يستنكر الاغتيالات العلنية التي تمارسها الكثير من الأنظمة ضد أفراد بل ضد جماعات بل ضد شعوب بأكملها, هذه تونس كنموذج يوجد في سجونها ما يزيد على ثلاثين ألفًا يعانون ألوانًا من مصادرة الإنسانية، جعلت منظمة حقوق الإنسان وهي منظمة دولية غربية ليست إسلامية, بل نصرانية, جعلت هذه المنظمة تصدر تقريرًا مزعجًا مخيفًا عن حقوق الإنسان المسلم في سجون تونس, الرجال والنساء, ليس هذا فحسب, بل أصبح الإنسان العادي في الشارع مُصادر الكرامة, مناهج التعليم يُبعد منها كل ما يتعلق بالإسلام, الإعلام يحارب الإسلام صباح مساء, حتى أنه لأول مرة تخرج مسرحيات محلية في هذا البلد المنكوب فيها لقطات عارية, متكررة, تتاجر بالجنس وإثارة الغرائز، والبلد بلد الزيتونة وبلد الجهاد والمجاهدين أصبح يقدم نفسه للعالم الغربي والعالم الإسلامي بهذه الصورة, ولم نجد من تلك الصحف استهجانًا لهذا العمل الذي هو اغتيال لشعب بأكمله, أو اغتيال مجموعات كبيرة من الناس, فضلًا عن اغتيال جماعات أو أفراد.
إنني أقول: أحكام الإعدام التي تسمعون ونسمع عنها نوعان: 1- حكم بالإعدام يتخذ القرار فيه من المسجد, وينفذ بطريقة سرية, وهذا لا شك يستهدف بعض الرموز المنحرفة فكريًا, كما حصل لـ فرج فودة مثلًا، أو بعض الشخصيات السياسية أو غيرها كما تعرفون في مصر والجزائر وسواها, هذا سواء كان الذين اتخذوه من أفراد الجماعات الإسلامية أو غيرهم, إلا أنه يمثل جانبًا, كان على تلك الصحف وهي تعرضه أن تعرض النوع الثاني من أحكام الإعدام, وهو: 2- أحكام الإعدام التي تتخذ قراراتها في محاكم صورية -مدنية أو عسكرية- وتنفذ بطريقة علنية, والعجيب أنه يستنكر الأول ولا يستنكر الثاني, وكلهم بشر، تعجب مثلًا عندما قتل ضابط أمن في مصر، فكتبت الصحف المصرية كثيرًا عن هذا الضابط، وتكلمت عن زوجته التي كانت تنتظره بفارغ الصبر, وتكلمت عن أطفاله الذين يقلبون عيونهم ببراءة ويقولون: أين بابا؟ متى يأتي بابا؟! فتذرف عيون أمهم دمعات حارة ساخنة, ترحمت الصحف على هذا الضابط، وتكلمت عنه وحركت المشاعر في اتجاهه, وأنا أقول: حسنًا هذا الذي قلتم وهذا الذي فعلتم، ولكن أولئك الذين قتلهم هذا الضابط أو غيره، أو سجنهم وأهدر إنسانيتهم وكرامتهم في السجون والمعتقلات, أليسوا بشرًا؟ أليس لهم زوجات ينتظرنهم وراء الأبواب؟ ألم تُسكب دموع كثيرة في انتظار مجيئهم الذي لم يحدث؟ أليس لهم أطفال في عيونهم براءة يتلفتون يمنة ويسرة ويقولون أين بابا؟ متى يأتي بابا؟! أليس وراءهم قلوب تحن إليهم وتشتاق للقياهم وتحزن لفقدهم, ما بال هؤلاء يكيلون بمكيالين؟! هل يعتبرون هؤلاء من غير المجتمع من غير الأمة أليسوا بشرًا؟ على الأقل يعترفون لهم بالإنسانية والبشرية.
إننا لو أجزنا للصحافة أن تستنكر الاغتيالات التي تتخذ قراراتها أحيانًا في المساجد, فإننا نوجب عليها أيضًا أن تستنكر الاغتيالات التي تتخذ قراراتها محاكم أو مجالس نيابية أو وزارية أو سواها.
إذًا فالأوضاع السياسية من أسباب الغلو.
وقل مثل ذلك في الأوضاع الاقتصادية, كالاستئثار بالثروات والمؤسسات والشركات, ووجود طبقات محرومة من الناس تعيش دون مستوى الفقر, إلى مستوى الإعدام, لا تجد لقمة العيش ولا تملك شيئًا قط مع أن مصدر الثراء لأولئك الأثرياء ليس هو الكسب الحلال المشروع, وليس هو العمل المنتج، بل هي الطرق غير المشروعة، كالرشوة أو المحسوبية، أو استغلال النفوذ، أو غير ذلك, أما سوى هؤلاء فلا يمكن أن يحصل على المال إلا عن طريق التسول وإراقة ماء الوجه وإهدار إنسانيته وكرامته, ولا حاجة لأن أضرب مثلًا بعيدًا فأنتم الآن تسمعون أخبار الفضائح في الجزائر -إذا تخاصم اللصان ظهر المسروق- وأصبح كل طرف يلقي باللائمة على الآخر, ويقول: فلان سرق كذا، وفلان سرق كذا , وأصبحت الأرقام تقدر بمئات الملايين من الدولارات في بلد فقير, يعيش العشرة منهم أحيانًا في غرفة واحدة, يسكنون فيها ولا يجدون غيرها, وعشرات الآلاف من الشباب يتسكعون في الشوارع بلا عمل, حتى الإعانات التي ذهبت إليهم هناك من دول عديدة غربية وشرقية, لا يزال الشك يساور الكثيرين كيف صرفت تلك الإعانات، وما هو مصيرها.
هذه الأحوال كلها فضلًا عن غياب دور العلماء, وتردي الأمة في التبعية الفكرية والسياسية والعسكرية للغرب, وتسخير أجهزة الإعلام لتغيير هوية الأمة ومسخ عقولها وتبديل دينها, بما في ذلك السخرية بالدين والسخرية بالمتدينين, وتقديم النماذج المنحرفة من الفنانين وغيرهم، على أنهم هم المثل العليا التي يجب على الجيل أن يقلدها ويترسم خطاها, كل هذه الأحوال والأوضاع هي البيئة المناسبة لنمو الغلو، أو ما يسمى بالأصولية أو بالتطرف، أو سمّه ما شئت.