الخطأ الثاني: الشكل أم المضمون: إن الإغراق في الشكل على حساب المضمون, أو في الكم على حساب الكيف, من أعظم أمراضنا! مثلًا: الرجل يهتم بملابسه وبغترته وبحذائه, والمرأة كذلك , بل أشد، فتجد كل موديل جديد لدى المرأة, وتجد لديها ألوانًا من تلك المجلات والكتب التي تسمى بالبوردات, فاليوم من فرنسا، وغدًا من تايلاند، وبعد غدٍ.
وهكذا , وتجد لديها عشرات، بل مئات من الملابس والثياب، ربما لم تلبس منها شيئًا إلا قليلًا، وبعضها مرة واحدة أو مرتين!.
وكذلك الحال بالنسبة للطفل، فنحن معنيون جدًا بملابسه وجماله وحذائه وغير ذلك, هذا بلا شك إذا كان في حدود الاعتدال، فهو مطلوب، ولا بأس به, لكن لا يجوز أن يكون ذلك على حساب العناية بصلاح الإنسان، بقلبه وأخلاقه، ودينه، وعمله، وثقافته، وعبادته، وتربيته, مثل ذلك قصات الشعر -مثلًا- والتسريحات، وبالأمس كنا نحسبها للنساء فقط.
فالمرأة اليوم تقص قصة وغدًا تقص قصة أخرى, وأصبحت الفتاة تتابع التسريحات في العالم أولًا: بأول, ليس هذه المشكلة فقط؛ بل تطور الأمر وأصبح هذا حتى بالنسبة للشباب, فأنت تجد تلك الصالونات التي كثرت، أصبحت تعتني بقصات الشعر وتتخصص فيها, وربما جلس الشاب أمام المرآة وقتًا طويلًا من أجل تسريح شعره, لكن لو تجاوزت هذا الشعر قليلًا إلى ما يوجد في داخل، الرأس معلومات، وعقل، وثقافة، واهتمامات، ربما تجد خواء في خواء.
ومثلًا الأثاث المنزلي: كثيرون منا يهتمون بالأثاث المنزلي، وتجديده وتنويعه وتناسقه في ألوانه إلى غير ذلك, ومن الضروري أن يكون جهاز التلفاز موجودًا أو جهاز الفيديو, وغرف النوم الفخمة إلى غير ذلك! الكثيرون يهتمون بهذا ولكن! الاهتمام بقيام المنزل على أساس السعادة الزوجية -مثلًا-, وقيام المنزل على المسئولية المشتركة, وقيام المنزل على أساس شرعي، هذا ربما لا يكون قائمًا في اهتمام البعض! ومثله -أيضًا- مسألة الترفيه والرياضة فأنت تجد الأمة تحتفل احتفالًا كبيرًا بالترفيه, والرياضة لون من ألوان الترفيه, ولكنها أخذت من وقتنا وعمرنا واهتمامنا, وأخذت شبابنا وفلذات أكبادنا, فأصبح الطالب حتى وهو في أيام الاختبار -مثلًا- مشغولًا بمتابعة دوري ما، أو مشغولًا بمتابعة الرياضة على الشاشة أحيانًا, وأصبح يحفظ أسماء أندية العالم، وألوان ملابس هذه الأندية، وأسماء المدربين، وغير ذلك، ويتابع أولًا: بأول, وليس ذلك فقط، بل يبذل من عواطفه ومشاعره واهتماماته الشيء الكثير في هذا السبيل.
ومثله -أيضًا-: الجانب الترفيهي: الذي أصبح يأخذ وقت الكثيرين من الناس, ولو أنهم أعطوا الناحية الشرعية أو العقلية أو الثقافية أو العلمية جزءًا من ذلك: لنتج عنه خير كثير.
اهتمام الأمة عامة بالمباني والجسور والطرق والمعالم الحضارية -كما تسمى-, اهتمام المدير في المدرسة بحضور المدرسين, أو اهتمام الموظف بحضور مرءوسيه وقت الدوام، وألا ينصرفوا إلا في الوقت نفسه, دون أن يهتم بالعطاء وهل أنجزوا ونجحوا وأدوا مسئوليتهم، أم أن الواحد فقط! يحضر ثم لا يقوم بعمل؟! اهتمام الأب ببقاء أولاده في البيت, لكن يبقون لماذا؟! هل ليتعلموا؟! هل ليحفظوا القرآن؟! هل ليتربوا على مكارم الأخلاق؟! هل ليقوموا بعمل دنيوي ومفيد؟! لا يعنيه ذلك، أم أنهم جلسوا أمام التلفاز، أو أمام الفيديو، أو أمام أشياء قد لا تكون في مصلحتهم.
اهتمام المدرس بالمنهج، المهم أن ينتهي من المنهج مع نهاية العام الدراسي، وليس المهم عنده -أحيانًا- هو بناء الطالب وإعداده، وتنمية علمه وعقله، وتأهيله للنزول إلى ميدان الحياة, وخدمة الأمة.
اهتمام الأمة -في تعليمها- بعدد الدارسين! فنحن نجد أن التعليم متاح للجميع، وأي طالب لا يتعلم يعتبر ناقصًا، ليس فقط للمستوى المتوسط أو الثانوي؛ بل لا بد أن يأخذ الجامعة, وإني أعرف البعض من الطلاب قد يجلسون زمانًا طويلًا في الجامعة لأنه مشغول عنها مشغول بأمور البيت وبتجارته وبأعماله الأخرى, ولكنه مع ذلك مُصِرُّ على هذا الأمر، وكأنه ليس له أهلًا أو ليس له مناسبًا, لماذا؟ لأن هذه التقاليد فرضت علينا، أن هذا الروتين لا بد أن يتم, ولا بد لكل الجيل أن يتعلم, وكأنه لا يمكن أن يخدم إلا من خلال هذه القناة, مع أن الإنسان الذي يكون فاشلًا في دراسته -مثلًا-, قد يكون ناجحًا جدًا في ميادين أخرى، إذا اتجه لها وانبرى لها, لكن هذا القانون السائد جعله يهتم بهذا الجانب دون رعاية هذه النوعية! حتى في دراساتنا العليا، لما يطالب الإنسان أن يحضر رسالة ماجستير أو دكتوراه, تجد أن السؤال الذي يطرح نفسه تلقائيًا: كم صفحة رسالته؟! كم مجلد؟! لكن قلما نسأل ما هي النتائج التي توصل إليها, هل كان عميقًا في بحثه؟! هل وصل إلى نتائج جديدة؟! إلى غير ذلك من الأسئلة التي تتعلق بالمضمون.
مثل ذلك الإعلام: تجد أن الإعلام العربي كله في بلاد الإسلام -أيضًا- تجد هذا الإعلام يهتم بساعات البث والإرسال أن تكون مستمرة, لكنه لا يهتم بنوعية ما يشاهده الناس, أو نوعية ما يستمعون, هل هو ينفعهم أو يضرهم؟ هل يبني أو يهدم؟ هل هو على حساب الأخلاق والدين، أم يقوي ويعزز جانب الأخلاق والدين؟!.
ومثله -أيضًا- الجوانب العسكرية في العالم الإسلامي: فقد تجد -أحيانًا- توفيرًا لبعض الأجهزة، أو عناية بعدد الجنود, ولكن! لا تجد الاهتمام بكفاءتهم وقدراتهم, فضلًا عن أن تجد الاهتمام بإخلاصهم ومعرفتهم للهدف الذي من أجله يتدربون, ومن أجله يقاتلون, ومن أجله يتربون, لذلك اليوم الذي يفترض أنهم يربون له، ألا وهو مقاومة أعداء الإسلام, والدفاع عن الحرمات، وعن الدين، وعن الأخلاق، وعن مكتسبات الأمة الإسلامية.
إذًا: تتلخص اهتماماتنا كثيرًا بالمادة على حساب الإنسان, حتى اهتمامنا بالإنسان حين نهتم به, نهتم به من الناحية المادية فحسب.
فنحن قد نعامله كرقم في الإحصاء -مثلًا- نعده إنسانًا ونعطيه رقمًا, ولكننا نكتفي بهذه المعاملة الرقمية العددية أو الآلية, وننسى الكرامة التي هي سِمَتُه, والابتلاء الذي ألقي على كاهله, {إِنَّا خَلَقْنَا الْأِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا} [الإنسان:2] , وننسى التكليف الذي حمله {لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ} [البقرة:286] .
إن من أعظم ذلك: الاهتمام بالظاهر على حساب الباطن, وفي الشريعة الإسلامية والقرآن والسنة لا يوجد أصلًا, ولا يتصور تفاوتًا بينهما, فكما قال: عليه الصلاة والسلام كما في الحديث المتفق عليه {ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله، ألا وهي القلب} .
فصلاح الظاهر -حقيقة- يدل على صلاح الباطن, وصلاح الباطن لا بد أن يثمر صلاح الظاهر, لكن مما ينبغي أن نعلمه -دائمًا وأبدًا- أن العقيدة هي الأصل.
فالأمور العلمية الاعتقادية, كمعرفة الله تعالى بأسمائه وصفاته وأفعاله، ومعرفة اليوم الآخر، والإيمان به والملائكة والكتاب والنبيين, هذه الأشياء أصول ينبغي أن تغرس في النفوس، وتبنى عليها التربية, ثم الأعمال القلبية -أيضًا-, كمحبة الله تعالى وخوفه ورجائه، والرغبة فيما عنده، والخشوع له، والرهبة والإنابة إليه، وغير ذلك من المعاني العظيمة, هي أمور يجب أن تغرس في القلوب.
ثم تأتي بعد ذلك الأعمال الظاهرة كالعبادات، وهي مبنية على الباطن, ولهذا لو صلى من غير نية لم تكن صلاة مقبولة {فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ * الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلاتِهِمْ سَاهُونَ * الَّذِينَ هُمْ يُرَاؤُونَ * وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ} [الماعون:4-7] .
ومثله: العبادات كلها, وكذلك الاهتمام بالشكل المظهري للإنسان، كالعناية -مثلًا- بملابسه، وبشكله، وبشعره، وبمشيته، ودخوله، وخروجه, وموافقة ذلك كله للشريعة.