وإن من النعم التى يشكر الله عز وجل عليها، إقبال المسلمين عامتهم وخاصتهم على العلماء في مثل هذه الأزمنة، والأوقات، عامتهم، وخاصتهم يسألونهم ويستفتونهم، وهذه -في الواقع- نعمة تجددت بعد أن ركن العلماء في عدد من البلدان زمانًا طويلًا، فقد مضى زمان غير يسير في عدد من البلاد الإسلامية، وأحمد الله أن لم تكن هذه البلاد منها -وإن حاول بعض المغرضين- لكن في كثير من البلاد الأخرى صار العلماء زمنًا طويلًا مركونين لا يُستخدمون إلا للسخرية بهم والتندر عليهم في أجهزة الإعلام وفى غيرها، حتى إنهم يضعون الكاريكاتيرات أحيانًا التي هي (الرسوم الساخرة) والتي يهدفون منها النيل من العلماء والحط من كرامتهم؛ بل حتى من الهيئات والمؤسسات العلمية، ووالله لقد قرأنا في بعض الصحف في بعض البلاد المجاورة وغير المجاورة كلامًا يعلم الله أنه يستحى أن يذكر مما فيه من تنقص العلماء وازدرائهم، فمنَّ الله تعالى على هذه الأمة، ورد عليها حقيقتها ومعنويتها، فصارت تحترم العلماء، وتعظمهم وتقدرهم وتقبل عليهم من العامة والخاصة.
أما العامة فحدث ولا حرج، قد انجفلوا إلى العلماء يسألونهم عن كل ما يشكل عليهم، حتى من أمور دنياهم، وأما الخاصة فإنك تجد الطبيب يشكل عليه الأمر من أمر الطب فيسأل العالم والفقيه، وتجد المهندس يشكل عليه الأمر فيسأل العالم، وتجد العالم بالاقتصاد والمال يشكل عليه الأمر فيسأل العالم، وتجد الإداري يشكل عليه الأمر فيسأل العالم، حتى الأمراء والزعماء والملوك يقبلون على العلماء ويسألونهم؛ لأنهم يعلمون أن الأمة لا تقبل بالعلماء بديلًا، ولا ترضى إلا قول العالم، وهذا يدل على أن هذه الأمة قد وجدت طريقها بإذن الله تعالى، هذا أمر نحمد الله عليه، ونقول: إنه أمر يسر في هذه الأمة وإن لم يكن بالأمر الغريب، بل هو الأمر الطبيعي، والغريب غيره، فإن الأمة أصلًا من لدن محمد عليه الصلاة والسلام لا معنى لكونها أمة مسلمة إلا لأنها ترجع إلى العلماء، بحيث إن الإسلام هو الضابط الذي تضبط به كل أمور الأمة من صغيرها إلى كبيرها، ليس هناك شيء لا يحتاج إلى سؤال، اللهم إلا القضايا المفروغ منها المعروفة عند العامة والخاصة أن الدين يبيحها ولا يعترض عليها، أما ما سوى ذلك فإنه لابد من أخذ حكم الدين فيها، وحكم الدين لا يسأل فيه من هب ودب، إنما يسأل فيه أهل الذكر، وأهل العلم، وكما أننا لا نسمح مثلًا للبقال أن يكون طبيبًا يعالج الناس ويصف الوصفات الطبية، ولا نسمح مثلًا لمن يشتغل بالتبليط أو التلييس أن يقوم بوضع الحسابات التجارية والمالية للمؤسسات، كذلك لا نسمح لكل من هب ودب؛ من أديب أو شاعر أو عامي أو حتى لو كان مثقفًا وغير عالم بالشرع، لا يسمح له أن يتكلم في القضايا الشرعية.
ومن خلال مجالسة بعض الشيوخ من أساتذتي ومن زملائي وأشياخي الذين يسألهم الناس استقرأت بعض الأخطاء وبالتالي بعض الآداب التي يجب أن يراعيها أولئك الذين يسألون وكلنا سائلون، وكلنا ممن يسألون العلماء، حتى لو كان الواحد منا عنده بعض العلم في الشرع، وبعض المعرفة بالأحكام فهو بالتأكيد محتاج إلى أن يسأل، وعمر رضى الله عنه نفسه كان يسأل، وربما أشكلت عليه المسألة فجمع لها أهل بدر وسألهم عنها.