أيها الإخوة: إنني أتعجب من حالنا وحال الناس في هذا الزمان، العالم اليوم كله مفتوح ثقافيًا، والحادثة تجري في الشرق فتسمع في الغرب، يعطس الرجل في واشنطن فيشمته آخر في موسكو، فالعالم قرية واحدة -كما يقال.
الاتصال: أصبح هناك ثورة في الاتصالات، فلماذا -والعالم مفتوح ثقافيًا- نقف نحن في مكاننا، وكأننا لم نستفد من حركة التاريخ ومن التغيرات الجذرية والجوهرية التي وقعت في العالم كله، لقد انتهى عالم بأكمله في امبراطورية الاتحاد السوفيتي البائدة، كان يقوم على الكبت والإرهاب وحكم الـKGB، وعلى إلغاء الدساتير، وتعطيل جميع الأمور باعتبار أن الحزب الواحد تتلخص فيه الحياة كلها.
لقد انتهى ذلك العالم ومضى إلى غير رجعة، ودول العالم كلها اليوم أصبحت تتفاخر في كسب رضا شعوبها، وكسب قناعتهم، وأنها تحقق لهم مطالبهم وتحادثهم بشكل واضح وصريح، ويرى هؤلاء أن من حق الأمة عليهم أن تتحدث عن بياناتهم حتى إنني أقرأ هذا اليوم في الجريدة خبرًا أن رئيس فرنسا صحته تتدهور وحتى الآن لم يصدر تقريرًا ومن المتوقع أن يصدر تقريرًا في تاريخ كذا وكذا، فهذا تقريرًا للأمة عن قضية صحة الرئيس للأمة، وهي قضية شخصية وإن كان لها أبعاد، يرون أنفسهم ملزمين أن يصدروا تقريرًا له، قدر لا بأس به من المصداقية للأمة، وأن لا تحجب الحقائق عنهم بحال من الأحوال، فضلًا عن الانفتاح الذي نشهده قريبًا وبعيدًا منا، فلماذا نظل نحن وكأننا ضد حركة التاريخ وضد طبائع الأشياء؟ لماذا نجعل الحياة أسرارًا غامضة لا يفهمها الناس مع أنها في الواقع أمور بسيطة ويسيرة؟ نعم.
قد يكون هناك أمور خاصة لا يفهمها كل أحد، وهذا شيء طبيعي، حتى في مجال العلوم الشرعية؛ لكن لا يمنع أن نبسط ونسهل بعض العلوم ليفهمها عامة الناس، فلا بد من تعليم الأمة الأحكام الضرورية التي لا بد أن تفهمها، وقل مثل ذلك في جوانب الحياة الأخرى.
فاليوم التعليم نفسه قد يعطي الطالب مبادئ عامة، حتى لو كان طالبًا متخصصًا قد يعطى مبادئ عامة في كل العلوم الأخرى باعتبار أن هذا قدر لا بد منه، فلماذا لا نعتبر حتى في الأمور العملية والواقعية، وأوضاعنا المالية، وعلاقاتنا وخصوصياتنا وأمورنا وحاضرنا، ومستقبلنا، والتحديات التي تواجهنا؟ لماذا هذه الأشياء لا تسهل وتبسط ليكون للناس قدر منها ليفهموه، فيستطيعوا أن يتجاوبوا معه، ويشاركوا فيه، ويدركوا أن قضاياهم مطروحة، وبشكل واضح؟