الأمر الثالث: من المضحكات المبكيات أن هذه الأمة التي أنعم الله تعالى عليها بالهداية، ونعمة الإسلام، أصبحت سوقًا لنشر ثقافات الغرب، ونظريات الغرب، ومبادئ الغرب الصليبي، واهتمامات الغرب الصليبي.
فمثلًا: التنصير على قدم وساق في هذه الأمة، وأعظم وأكبر هدف للتنصير في العالم اليوم، هو منطقة الشرق الأوسط، وقد عقد مجلس الكنائس العالمي، اجتماعًا في استراليا، وقرر أن منطقة الشرق الأوسط، هي أخطر وأهم منطقة يجب التركيز عليها.
وخص من ذلك أيضًا منطقة الخليج العربي، والجزيرة العربية، ولذلك عين البابا شنودة مندوبًا له في الشرق، إشعارًا بالاهتمام، وأعطاه صلاحيات لم تمنح لغيره من المندوبين في أنحاء العالم، ونجح التنصير فعلًا باستقطاب أعداد من المسلمين، سواءً ممن تنصروا ودخلوا في النصرانية، أو ممن خلعوا ربقة الإسلام من أعناقهم، وأصبحوا عملاء للنصارى، أو من العلمانيين الذين عقدوا حلفًا مع النصرانية، لأن النصارى يرونهم بديلًا مناسبًا عن الإسلام، والعلمانيون يرون النصارى أفضل لهم من المسلمين، وهذا مقتضى دينهم الذي يدينون به، ولذلك وجدت أن التنصير يسير في بلاد المسلمين على قدمٍ وساق.
ثم تجد أن العلمانية نفسها قد أصبحت دينًا يدين به قطاع عريض، ولعل المتقاتلين في الصومال نموذج لذلك، وهم يتقاتلون على الدنيا، وكلها لافتات علمانية، ومثل ذلك الرايات المرفوعة في طول العالم الإسلامي وعرضه، إنما هي رايات علمانية، تُنادي بفصل الدين عن الدولة؟ لا؛ بل تنادي بفصل الدين عن الحياة، في الوقت الذي تجد فيه أن زعيمًا للعالم متوجًا هو: جورج بوش يضرب على وتر المشاعر الدينية.
وهذا خبر قبل خمس أيام في جريدة الخليج، يقول: اتهم الرئيس جورج بوش بطريقة غير مباشرة، الديمقراطيين المنافسين له في الانتخابات، بأنهم تخلوا عن الله والدين، ويقول: هذا الهجوم شديد العنف، حتى بالمعايير القاسية أصلًا لهجمات انتخاب الرئاسة.
وقال بوش في خطاب أمام زعماء المنظمات الدينية: إذا كان لي أن أُدلي بتعليقٍ سياسيٍ واحد، فلقد أذهلني في الواقع أن الحزب الآخر اختار كلمات مبلورة لبرنامجه، ولكنه ترك ثلاثة أحرف بسيطة، وهنا نطق الرئيس بلفظ الجلالة المكون من ثلاثة أحرف باللغة الإنجليزية، فهو ينتقد الحزب الآخر المنافس، لأنه أبعد كلمة (الله) عن برنامجه الانتخابي، ثم يقول بوش: إن برنامج حزبي وهو الحزب الجمهوري مختلف ونحن فخورون بتمجيد تراث بلدنا اليهودي، المسيحي، المنقطع النظير في العالم، وقد صفق الحضور وهتفوا لقوله هذا، إلى آخر الكلمة الطويلة التي تتكلم عن المشاعر الدينية.
وقبل ذلك سبق أن قلتُ لكم أن الرئيس نفسه يتكلم عن الشعب الأمريكي المتدين، ويقول: إن (99%) من الشعب الأمريكي يحافظون على أداء الصلوات باستمرار.
ومثل ذلك: أن من لم يقع في فخ النصرانية، ولا في فخ العلمانية، فإن الكثيرين منهم وقعوا في شرك الإباحية الغربية، فأصبح معبودهم هو اللذة، أو الشهوة، أو المادة، ولا شيء آخر غير ذلك، فأين المبادئ والمثل والقيم التي نستطيع أن نقدمها للغرب الذي يشعر بالجوع الروحي؟ إن الغرب نفسه يتكلم الآن عن جوعٍ في البلاد الإسلامية، فيقول: إن العالم الإسلامي كما هو بحاجة إلى الإغاثة في مجال المساعدات المادية، فهو أيضًا بحاجة إلى الإغاثة والمساعدة فيما يتعلق بنقل تعاليم المسيح إليهم، وقد انتكست الآية مع الأسف الشديد.