كذلك من المهمات في قضية تربية الفتاة: غرس عقيدة القضاء والقدر في نفسها وتقويتها، بحيث تعلم بأن ما أصابها لم يكن ليخطئها، وما أخطأها لم يكن ليصيبها، وأن الآجال والأرزاق بيد الله عز وجل، وأن كل شيء في كتاب لا يتقدم ولا يتأخر.
أما فيما يتعلق بموضوع التمريض وسقي الجرحى وعلاجهم فهذا يتعلق بالناحية التاريخية، لا شك أنه كان موجودًا في عصور الإسلام كلها، ولكنه كان موجودًا وسط الصيانة التامة والبعد في مجال التدريب عن الرجال أو السفور، أو التبرج، وكان يقوم بالتمريض والتدريب نساء هن قدوة في دينهن، وأخلاقهن، وإخلاصهن، وعلمهن، وتسترهن، قبل أن يكن قدوة في خبرتهن وتمريضهن، وكانت النساء تقوم أيضًا بالإجهاز على الجرحى من الكفار، وتترك سلبهم للصبيان الصغار؛ لئلا تبدو عوراتهم، كما ذكر ذلك ابن كثير في أخبار القادسية: أن بعض النساء كن يجهزن على الجرحى من الكفار، أما سلبه -أي أخذ متاعه وثيابه وسلاحه- فإنهن يتركن ذلك للصبيان الصغار لئلا تبدو عورات هؤلاء المقاتلين.
وإنما دعاني على التأكيد على موضوع التستر والصيانة التامة أننا ندرك أن الأهداف السابقة التي تحدثت عنها، هي تربية الأم الصالحة على: إعداد الجيل، والإخلاص، والصبر، والإيمان بالقضاء والقدر، والجهاد بالمال، كل ذلك لا يمكن أن يتم إلا من قبل أم تعلمت كيف تعيش في بيتها، عرفت أن مملكتها هذا البيت، فإذا خرجت منه استشرفها الشيطان وأعوانه من شياطين الإنس.
ولذلك تلاحظون الحملة المسعورة منذ عشرات السنين في جميع بلاد الإسلام لإخراج المرأة من بيتها بكافة الوسائل، ويستغلون جميع المناسبات لإخراج المرأة من بيتها، حتى كثيرًا ما تسمعون مقولة: نصف المجتمع معطل.
فهم يعتبرون أن المرأة ما دامت في بيتها فمعنى ذلك أنها معطلة، والواقع أن نصف المجتمع هذا ليس معطلًا، بل هو يشتغل بداخل المنزل فإننا نجد أن البيوت مهمتها أعظم مهمة، وهذه المرأة هي جندية قائمة على حراسة الأمة، فليس صحيحًا أن بقاء المرأة في بيتها يعني أنها معطلة، خروج المرأة من بيتها لا يعني أنها عاملة، ولعل من العجائب أنهم كانوا يقولون في الماضي: إننا نريد المرأة عاملة، ونريدها موظفة، ونريدها صحيح أن هناك مجالات لا شك أن المرأة يحتاج إليها فيها كالتدريس مثلًا، وما أشبه ذلك من المهمات النسائية وفي المجال النسائي المضبوط بضوابط الشرع، لكن كان بعض الصحفيين يتكلمون على أن الهدف هو إخراج المرأة، ولذلك كانوا ينادون -مثلًا- بوجود السائق، والخادمة، فلما وجد السائق ووجدت الخادمة أصبحوا يقولون: إن المرأة جالسة في البيت بدون عمل لأن الخادمة تقوم بعمل المنزل.
إذًا: لا بد أن نوجد أماكن للمرأة تقضي فيها وقت فراغها، لكن لماذا لا تقضي المرأة وقت فراغها في عملها في المنزل، بقيامها بشئون البيت، وتربية الأطفال، والعناية بالزوج إلى غير ذلك من المهمات الكبرى التي تنتظرها؟ إذًا: من أهداف العلمانيين في كل مكان وزمان أن يعملوا على إخراج المرأة من بيتها بكل وسيلة.
إذًا: فالتربية الجهادية تربية شمولية: شمولية للأطفال الصغار، وللنساء، كذلك هي شمولية للكبار من الشيوخ الذين يعتبرون بحكم أنهم جاوزوا فترة الشباب انتهت مهمة التربية، كلا، بل حتى الموت وهم يتربون على معاني الجهاد في سبيل الله، روى مسلم في صحيحه عن عبد الرحمن بن شماسة أن فقيمًا اللخمي قال لـ عقبة بن عامر رضي الله عنه: {أراك تختلف بين هذين الغرضين وأنت شيخ كبير يشق عليك -يقول: لماذا تختلف بين هذين الغرضين وتتدرب على الرماية وأنت رجل كبير السن- قال عقبة: لولا كلامًا سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم لم أعان هذا الأمر -لم اشتغل به- سمعته يقول: من تعلم الرمي ثم تركه فليس منا} .
إذًا: فـ عقبة يستمر على الرمي لئلا ينساه؛ لأنه يدرك أنه حتى الشيخ كبير السن يجب أن يكون مستعدًا للجهاد.