الشرائع جاءت لحفظ الدين من أن يمس بسوء، أي حماية دين وإيمان الإنسان من كل أمر يمكن أن يعكر صفوه، أو يزيله ويفقد إياه بالكلية، ومن منطلق حفظ الدين، حفظ الإنسان عن الشهوات، التي يمكن أن تصد الإنسان عن سبيل الله، الشهوات التي تقابل الإنسان في البيت، أو في الشارع، أو المدرسة، أو البر، أو البحر، أو الشاشة، أو في أي موقع.
فالدين جاء لحفظ الإنسان عن هذه الشهوات؛ بحيث يبقى الإنسان يمتلك أعصابًا هادئة، ويمتلك جوًا يتيح له فرصة التدين، لأن أكثر الناس تدينًا، لو سلطت عليه من وسائل الانحراف والتضليل الشيء الكثير، ربما يتأثر أو يضعف، وقد ينحرف.
حفظ الدين من الشبهات: ومن حفظ الدين أيضًا: حفظ الإنسان من الشبهات، التي قد تضله أو تشكك في عقله، أو تصده عن سبيل الله عز وجل، وليس صحيحًا أن الناس كلهم يملكون عقولًا كبيرة يستطيعون أن يميزوا بها بين الحق والباطل، أكثر الناس من العامة- وإن كانوا يملكون شهادات أحيانًا- لكن لا يملكون القدرة على التمييز، فليس صحيحًا أن أجعل الكتاب المنحرف -مثلًا- أو الشريط، أو الجريدة، أو أي وسيلة من الوسائل التي تنشر الشهوات والشبهات عند الناس وأقول: إن الناس يملكون التمييز.
ولذلك دعهم يقرءون ما شاءوا، ويسمعون ما شاءوا، وأتح الفرصة للدعوات المختلفة، وكل إنسان يدعو إلى مذهبه، كما نجد في بعض الدول الإسلامية -مثلًا- تجد أنهم قد يتيحون فرصة حتى للدعوات الشيوعية رسميًا أن تثبت وجودها، وأن تدعو إلى مبدئها، ويقولون: على الناس أن يختاروا ما شاءوا.
الناس أكثرهم لا يستطيعون أن يميزوا الحق من الباطل؛ إلا عن طريق أناس ناصحين صادقين يوجهونهم إلى الطريق المستقيم، والدين جاء لحماية عقول الناس من هذه الشهوات والشبهات التي تصدهم عن سبيل الله عز وجل.
ومن حفظ الدين -أيضًا- حفظ الدين عن الفتن، الفتنة التي تصد الإنسان عن دينه، كما قال الله عز وجل: {وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ} [الأنفال:39] ما هي الفتنة؟ إن الفتنة هي أن يكون على الإنسان ضغط يمنعه من التدين، يضغط عليه بالتضييق، أو بالإكراه، أو المحاصرة، أو السجن والتعذيب، أو بالقتل، حتى يضطر الإنسان إلى أن يتخلى عن دينه، فجاء الدين وشرع الله عز وجل الجهاد في سبيله لرفع الفتنة عن الناس، (حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ) أي: لا يفتن الناس عن دينهم، ولا يواجه المسلمون في بلاد العالم من الاضطهاد والتضييق ما يجعل الواحد منهم يستخفي بإيمانه، ويستتر بدينه، وقد يخرج من دينه بسبب هذا الضغط والتضييق الذي يواجهه.
الأمر ممارسة شعائر الدين:- ومن حفظ الدين أيضًا: الأمر والتوجيه بممارسة جميع شعائر الدين، فالدين جاء لينظم حياة الإنسان، من يوم يولد ويسجل له اسم، فالدين يشارك في اختيار الاسم، ولهذا جاء في الإسلام كيفية اختيار الاسم، والأسماء الفاضلة، والأسماء المفضولة، والأسماء المكروهة، والأسماء المحرمة، وإلى أن ينتهي الإنسان ويدفن في قبره، طريقة دفن الإنسان في قبره -أيضًا- جاء الدين بتنظيمها، وكيف يدفن، وما هي الطريقة المشروعة، والطريقة الممنوعة، والسنة والبدعة في هذا الأمر؟ إذًا من الميلاد إلى القبر؛ كل ذلك جاء الدين بتنظيمه على مستوى الفرد وعلى مستوى الأمة، فمن حفظ دين الإنسان: تمكينه من أن يمارس تطبيق شعائر دينه بكل تشجيع ودعم له أن يعبد الله، كيف يعبد الله؟ -مع الأسف- أن كثيرًا من المسلمين تحول معنى العبادة في نفوسهم إلى معنى العبادة عند الديانات الأخرى، النصرانية -مثلًا- يعبدون الله يوم الأحد، وبقية أيام الأسبوع يعبدون البنك، واليهودية يعبدون الله -بزعمهم- يوم السبت، وبقية أيام الأسبوع يعبدون العجل أو يعبدون الدنيا والذهب.
وقد قال أحد الصحفيين الغربيين: إن الإنجليز يعبدون الله يوم الأحد، ويعبدون بنك إنجلترا في بقية أيام الأسبوع، وهم في الواقع لا يعبدون الله لا في يوم الأحد ولا في غيره لكن هم يزعمون ذلك.
أما الإسلام فقد جعل العبودية أمرًا موجودًا عند الإنسان في كل أحواله قال تعالى: {قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * لا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ} [الأنعام:162-163] {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْأِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ} [الذاريات:56] فالإنسان يتقلب في عبادة الله عز وجل في كل أحواله وتقلباته، وظروفه، وكل حالة من الحالات التي يمر بها الإنسان لها عبادة تناسبها.
الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر:- ومن كرامة الإنسان: ومن حقوق الإنسان التي يجب أن تصان أن يمكَّن من تحقيق هذه العبودية كما يريد الله عز وجل، خذ على سبيل المثال: الدعوة إلى الله جزء من العبادة، وليس صحيحًا أن المسلم مطلوب منه أن يؤدي الفروض الخمسة في البيت أو في المسجد، ثم يدع ما لقيصر لقيصر وما لله لله! يدع أمر الناس للناس، ويترك الناس يضل منهم من ضل ويهتدي من اهتدى! ليس صحيحًا هذا أبدًا، بل إن الإسلام جعل من أعظم الواجبات على المسلم أن يقوم بالدعوة إلى الله تعالى، فكل أمر يحول بين الإنسان وبين تطبيق الدعوة، والقيام بالدعوة، ومخاطبة الناس بالدعوة؛ هو يعتبر تعطيلًا لحقوق الإنسان، واعتداءً على كرامة ابن آدم التي خصه الله تعالى بها وميزه بها.
الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، في الغرب يقولون: حرية إبداء الرأي، وهم يتغنون بحرية إبداء الرأي، أو حرية الكلمة التي تضمن للإنسان أن يعبر عن رأيه بأي وسيلة، بكتاب أو بجلسة، أو حديث أو شريط أو غيرها، فهذا هو عند الغربيين.
أما في الإسلام فحرية الكلمة يقوم مقامها في الإسلام الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، هذا حق، لا أقول حق لك، بل هو حق عليك وهو حق لك في نفس الوقت، فهو واجب عليك، ولذلك الله عز وجل إنما ميزنا بهذا فقال: {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ} [آل عمران:110] .
فلا أقول: حرية الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، بل واجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، هو حق على كل إنسان، وهو حق له أيضًا على مجتمعه وأمته ومن حوله؛ أن تكون كل الوسائل، وكل الظروف، وكل الاحتياطات متاحة، ليس للحيلولة بين الإنسان وبين الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ومنع الإنسان من ذلك، واعتبار أن هذا تعدٍ على حرية الآخرين، وعلى حقوق الآخرين، وعلى صلاحيات الناس، ومضايقة لهم، وإنما تقول له: إن من واجبك أن تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر، لأنك إذا سكت عن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فشأنك كشأن أصحاب السفينة، الذين يرون واحدًا منهم يخرق في السفينة بيده أو بمسحاته أو بآلته، ثم يتركونه ويقولون: هذه حريته، مع أن هذا الخرق -إن حصل فعلًا- معناه أن الماء أغرق السفينة ومن فيها.
فالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؛ من أهم الحقوق التي أناطها الله تعالى بالفرد والمجتمع والأمة، وجعلها حقًا عليهم، وفي نفس الوقت ضمن للفرد أنه يملك هذا الحق، ولهذا كانوا يقولونها لكبار الصحابة رضي الله عنهم، دون أن يجدوا في هذا حرجًا أو غضاضة، كان الواحد منهم يقف أمام أمير المؤمنين الذي تدين له الأمة المسلمة في شرقها وغربها، فيأمره بالمعروف الذي يظنه، وينهاه عن المنكر الذي يظنه، وليست القضية حتمًا أن هذا معروف فعلًا أو منكر، لكن هذا الذي ظهر له.
وكم من مرة وقف فيها عمر رضي الله عنه على المنبر، يقول:[[يا أيها الإنسان! اسمعوا وأطيعوا، فيقوم له رجل ويقول: لا سمع ولا طاعة.
فيقول: ولم يرحمك الله؟ قال: لأنك أعطيتنا ثوبًا ثوبًا، وأخذت أنت ثوبين، فقال عمر: أين عبد الله بن عمر؟ قال: هأنذا، قال: أخبرهم.
قال: لا والله ما أخذ أبي إلا ثوبًا واحدًا، لكنني أعطيته الثوب الآخر -لأن عمر كان رجلًا بدينًا جسيمًا لا يكفيه ثوب واحد- قال: الآن نسمع ونطيع]] .
وفي مرة أخرى يقف عمر ويقول:[[أيها الناس! أرأيتم لو قلت برأسي إلى الدنيا هكذا ماذا كنتم تصنعون؟ فقام إليه رجل وقال: كنا نقول لك بسيوفنا هكذا.
فقال: الحمد لله الذي جعل في أمة محمد صلى الله عليه وسلم من لو مال عمر لَقَوَّمه بسيفه]] ليس هذا بغريب؛ لأن عمر، وأبا بكر، وعثمان، وعلي، وأصل نظام الإسلام ما جعل هذا التنظير للمجتمع، وما منح الحاكم هذه الحقوق وجعل الرعية تتبعه وتسمع له وتطيع؛ إلا لأنه قيم عنها في حفظ حقوقها.
ولذلك انظر الخطبة التي ابتدأ بها أبو بكر رضي الله عنه خلافته: [[أيها الناس! القوي فيكم ضعيف حتى آخذ الحق منه -إن شاء الله- والضعيف فيكم قوي حتى آخذ الحق له إن شاء الله] ] وفعلًا طبق رضي الله عنه وأرضاه هذا المبدأ.
إذًا قضية الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر على الكبير والصغير، وعلى جميع الطبقات، وفي جميع الظروف والأحوال، هي من الحقوق المنوطة بالفرد، التي لا يسع مسلمًا يؤمن بالله تعالى واليوم الآخر، ويخاف الله تعالى ويرجوه أن يقصر فيها، ولا يسع أحدًا -كائنًا من كان- أن يحول بين الإنسان وبين ممارسة هذا الحق أو الواجب الذي كلفه الله تعالى به.
الشرائع جاءت لحفظ الدين، وهذه هي الضرورة الأولى، لأنه لا قيمة للإنسان بلا دين، وكما يقول محمد إقبال رحمه الله: إذا الإيمان ضاع فلا أمان ولا دنيا لمن لم يحي دينا ومن رضي الحياة بغير دين فقد جعل الفناء لها قرينا فالبهيمة خير من الإنسان بلا دين، ولذلك جاءت الشرائع لحفظ الدين.