فهرس الكتاب

الصفحة 3729 من 10422

النقطة السابعة: الإسرار والإعلان: قضية الإسرار والإعلان في موضوع المصلحة، هل تنكر سرًا أم تنكر علنًا؟ كلاهما وارد في الشرع، فقد يكون من المصلحة أن تنكر علانية وقد يكون من المصلحة أن تنكر سرًا، -مثلًا- بعض الصحابة والتابعين كانوا ينكرون علانية، ومثل ذلك طارق بن شهاب رضي الله عنه، يذكر كما في صحيح مسلم أن مروان بن الحكم لما كان أميرًا على المدينة أخرج المنبر في يوم العيد، وطفق يخطب قبل الصلاة، فقام إليه رجل، وقال: يا مروان خالفت السنة، قالها بصوت جهوري سمعه الناس: أخرجت المنبر في يوم العيد، ولم يكن يخرج، وبدأت بالخطبة قبل الصلاة، قال له مروان: قد ترك ما هنالك.

ومرة أخرى أبو سعيد الخدري نفسه، لما قام مروان ولعلها كانت قبل ذلك، جاء مروان ليخطب، فقام ليغير عمليًا وقف في وجه الأمير مروان بن الحكم وأمسك بثوبه وتله - أي: جره- وقال: إلى أين؟ فجره مروان وذهب، وصعد المنبر فلما انتهى، أنكر عليه أبو سعيد، فقال: قد ترك ما هنالك، فذكر أبو سعيد أن هذا هو فعل النبي صلى الله عليه وسلم وهديه وطريقته.

وكذلك الصحابة فيما بينهم -مثلًا- عمر رضي الله عنه، كم وكم أُنكر عليه، وهو على المنبر، ولعل من أصح القصص في ذلك، ما رواه الشيخان: أن أبي بن كعب قال لـ عمر مرة من المرات لما حصل خصومة بين عمر وأحد الصحابة، قال أبي بن كعب لـ عمر: يا ابن الخطاب لا تكونن عذابًا على أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم.

وعثمان بن عفان لما نهى عن المتعة في الحج -يعني جمع العمرة والحج- قال علي بن أبي طالب رضي الله عنه وكان حاجًا معه: لبيك اللهم لبيك، لبيك عمرة متمتعًا بها إلى الحج، قالوا لماذا؟ قال: أردت أن أبين أن ما يأمرنا به عثمان غير صحيح، ومخالف لسنة النبي صلى الله عليه وسلم.

وكذلك معاوية كان أميرًا رضي الله عنه، وكان يستلم الأركان كلها في البيت ولا يكتفي باستلام الركن اليماني أو الحجر الأسود، يستلم الأركان الأربعة كلها في الكعبة، فأنكر عليه ابن عباس رضي الله عنه فقال له معاوية: ليس شيء من البيت مهجورًا، لماذا نهجر الأركان هذه؟ فقال ابن عباس رضي الله عنه: {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ} [الأحزاب:21] وكان الرسول صلى الله عليه وسلم لا يستلم إلا الركنين اليماني والأسود.

ومثل ذلك كثير: عائذ بن عمرو دخل يومًا من الأيام على عبيد الله بن زياد، وقال له: يا ولدي- هذا الأمير كان أمير العراق- يا ولدي إني سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: {إن شر الرعاء الحطمة} يعني: الإنسان القاسي الغليظ، فاحذر أن تكون منهم، قال له: اجلس فإنما أنت من نخالة أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم، قال: وهل كان لأصحاب محمد صلى الله عليه وسلم نخالة، إنما كانت النخالة فيمن جاء بعدهم، أي: مثلك، فكانوا ينكرونها علانية لأنهم رأوا المصلحة في ذلك.

وقد يرى الإنسان المصلحة في الإسرار كما إذا كان المنكر شخصيًا، أو رأى أن هذا الإنسان قد تأخذه العزة بالإثم، أو قد يترتب على ذلك مفسدة أكبر من المصلحة فحينئذ يسر، إذًا المصلحة والمفسدة من القضايا التي تجري في موضوع الإسرار والإعلان بالمنكر، يعني: بإنكار المنكر.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت