والوسيلة الثانية هي: البلغة: والمقصود بالبُلغة هو أن يكون الإنسان منصرفًا إلى العلم غير مشتغل بالدنيا اشتغالًا يلهيه عن طلب العلم، وهذا يستلزم أن يكون لدى الإنسان وسيلة للعيش وللكسب توفر عليه وقته، وأصل ذلك هو أن يكون هم الإنسان واتجاهه إلى العلم فلا ينشغل مثلًا بالزوجة، ولذلك كان بعض السلف يقول: إن العلم يضيع في أحضان النساء، فالإنسان الذي يشتغل بزوجه، -مثلًا- ويطيل البقاء في البيت، ويأنس كثيرًا بالجلوس إلى أهله يضيع كثيرًا من عمره، وينسى كثيرًا من علمه، وكذلك الإنسان الذي يشتغل بأمور الدنيا.
وهاهنا لابد من كلمةٍ سريعة: لو نظرنا إلى أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم لوجدنا أنهم كانوا يشتغلون بأمور دنياهم، وأمور مكاسبهم ومعايشهم التي يحتاجون إليها، بل قبلهم كان الأنبياء عليهم الصلاة والسلام كذلك، ومن الأشياء التي كان المشركون يعيرون بها النبي صلى الله عليه وسلم أنهم كانوا يقولون: {وَقَالُوا مَالِ هَذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي الْأَسْوَاقِ} [الفرقان:7] فليس المقصود بالبُلغة، أو الاشتغال بالعلم: الانقطاع عن الدنيا أبدا، وإنما المقصود ألا يكون الإنسان منصرف الهم إلى الدنيا، بمعنى أن الإنسان الذي يوجد لديه طموح لتنمية الثروة، وأن يكون من الأثرياء المرموقين، ويصرف وقته، في هذا الأمر غالبًا لا يحصل على العلم، لكن ليس دائمًا.
عبد الله بن المبارك رحمه الله من أئمة العلماء وجهابذتهم، ومع ذلك كان من كبار التجار وله في ذلك قصص وأخبار عجيبة.