من صور التنصل: إننا كثيرًا ما نتعلق بقضية المحنة، كم أصيب المسلمون! كم شردوا!! كم قتلوا!! كم سجنوا!! كم عانوا من الآلام والمصائب والنكبات، ما الله به عليم!! ونحن دائمًا وأبدًا نضرب على وتر واحد، وتقول: إن الابتلاء والامتحان سنة الله في خلقه.
نعم هذا صحيح، لكن لماذا لا نتصور أنه كما قال الله تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم وأصحابه في معركة أحد: {أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} [آل عمران:165] .
المحنة أحيانًا قد تكون قضاءً وقدرًا لرفع الدرجات، وقد تكون -أحيانًا- بسبب فعلنا نحن المسلمين، ومهما كان المسلمون من الصلاح والاستقامة والتجرد، والقوة والدين، والعلم، والوعي، لن يكونوا في درجة أصحاب محمد صلى الله عليه وآله وسلم، وبقيادة محمد نفسه صلى الله عليه وسلم، ومع ذلك قيل لهم في محكم التنزيل: {قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ} [آل عمران:165] .
هذا درس لكل مسلم، أنه لا يجوز أبدًا أن تقول: القضية قضية ابتلاء وامتحان، وتغفل عن التفكير في دورك أنت في هذا الابتلاء والامتحان، وأنه قد يكون بسبب أخطاء، أو زلات، أو سقطات، أو تسرع، أو تعجل، أو عدم دراسة للأمور، أو عدم تقدير للمواقف، جرَّت إلى مثل هذا الأمر، ومع ذلك إذا وقعت ونزلت فلا داعي لأن يتشفى بعضنا ببعض، ونقول: هذا يستحق ما نزل به كذا.
وكأن الواحد يتشفى بإخوانه، بل لا بد أن يحزن لحزنهم، ويألم للمصيبة التي نزلت بهم، ويسعى لإخراجهم وإنقاذهم مما نزل بهم من مصيبة، أيًا كانت هذه المصيبة، بغض النظر عن ما هي المصيبة، وفي نفس الوقت يأخذ من ذلك الدرس والعبرة.
نحن نؤمن به كقضاء وقدر وقع لا محالة، والاحتجاج بالقضاء والقدر بعد وقوع الشيء لا مانع منه، لكن ما يمنع -أبدًا- أن الإنسان يأخذ درسًا وعبرة من هذا الأمر الذي وقع، وهذا نفس الكلام فيما ذكره أهل العلم في الاحتجاج بالقضاء والقدر على المصائب.
فلو أن إنسانًا وقع في معصية، سواء زنى أو سرق أو قتل، كونه يقول: هذا قضاء وقدر.
بعد ما وقعت المعصية، نقول: هذا صحيح أنه قضاء وقدر، لكن كونه قضاء وقدر لا يمنع من أنه إذا وقع هذا الإنسان في معصية تتطلب تبعات أن يتحمل هذه التبعات، مثل كونه قتل فيقتص منه، أو كونه سرق فيقام عليه الحد، أو كونه ظلم أحدًا، فيعيد المظلمة لصاحبها، هذا لا يمنع وإن كان وقع الأمر -أصلًا- بقضاء الله وقدره، كما أن وقوع الأمر بقضاء الله وقدره، لا يمنع من أن الإنسان يتوب إلى الله تعالى من الذنب الذي فعله، ويستغفر الله ويراجع نفسه ويصحح سيرته، ولو كان ذلك كله بقضاء الله تعالى وقدره.
إذًا: لا يجوز أن نقول: القضية ابتلاء وامتحان ونصبر، مع أنه يجب أن نقول: هذا امتحان ونصبر إلا أنه ينبغي أن ندرك، ما هو دورنا في المحنة.
والمحنة قد تكون أمرًا إلهيًا محضًا لا يد لنا فيه، فنقول: سلمنا وقد تكون بسبب فعلٍ منا، فنراجع فعلنا هل فيه خطأ أو ليس فيه خطأ.