إنسان في نفسه دافع طيب, حب الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر, والإصلاح, ونفع العباد, والتأثير, بحيث أن هذا الإنسان إذا ترك هذه المجالات وخلا بنفسه، ماذا يقوم في نفسه؟! -افترض أنه كما يقولون: ابتعد عن الأضواء ولم يعد يقدم أي خدمة للإسلام في الواقع, وفرغ نفسه لكي يتعبد ويطلب الرزق, فإنه إذا خلا بنفسه بدأت نفسه توبخه، تقول له: يا مسكين! تضيع أيامك ولياليك ما نفعت! ما قدمت للناس شيئًا! وتدعوه إلى العودة إلى الأعمال الطيبة التي كان يؤديها.
فهذا يدل على أن الدافع في الأصل دافع حسن, لكن قد يلابسة أحيانًا شيء من المؤثرات الأخرى, وفي أحيانٍ أخرى قد لا يلابسه أصلًا, لكن من نعمة الله على المؤمن أنه لا يغتر بنفسه؛ لأنه والعياذ بالله لو قال الإنسان: إن نيتي صالحة وقصدي وجه الله, ولا أبالي بمدح الناس ولا ثنائهم, وظل معجبًا بنفسه ونيته وعمله, فهذا مدخل من مداخل الشيطان.
فمن نعمة الله على الإنسان أن يجعل عنده في كثير من الأحيان شيئًا من مقت النفس, فتجده إذا خلا بنفسه لا يغتر بمدح الناس وثنائهم؛ لأنه يقول: ربما يكون هذا العمل الذي قمت به وجعل الناس يمدحونني، هو عليّ ليس لي! لأني أشك في نيتي, فهذا من نعمة الله على المؤمن, أن لا يغتر بنيته ولا ينخدع بها.
ولذلك أذكر كلمة قالها بعض السلف يقول:"المستمع ينتظر الرحمة، والمتكلم ينتظر المقت"أو نحو هذه الكلمة, والذي أفهمه من معنى هذه الكلمة: أن المستمع إذا سمع الوعظ والتذكير بكى وتأثر, لكن المتكلم لما يعلم من حال نفسه وضعفه وأنه قد يعظ الناس بأمر هو مقصر فيه, وقد لا يطمئن تمامًا إلى حسن نيته, يصبح عنده خوف من المقت, هذا أحد معاني هذه الكلمة.
إذًا: انظر في نفسك, فإن كنت من الصنف الثاني: الذي لا يرضى عن نفسه أن يكون غاية قصده من دعوته وجهاده في ميدان الحياة مدح الناس وثناءهم, ولا الرياء والسمعة, إنما أصل قصده الغيرة على الدين, وحب النفع للناس, لكنه إذا تصدى لهذه الأمور قد يلابس قلبه بعض ذلك, فعليه أن يجاهد نفسه، ويحرص على الاستمرار في هذا الأمر, ويدرك أن من الورع أن يستمر -كما سبق- ولا ينقطع.