فكل إنسان بفطرته يكره أن يخطئ، ويحب أن يصيب دائمًا وأبدًا، ولكن ما دام أن الخطأ مكتوب على الإنسان لا محالة كما قال النبي صلى الله عليه وسلم وهو عند الترمذي من حديث أبي هريرة: {كل ابن آدم خطاء وخير الخطائين التوابون} فما دام أنك لا يمكن أن تنفك عن الخطأ، سواءً كنتَ فردًا أو جماعةً، أو دولةً أو أمةً، فإن المؤمن يفضل أن يُكاشف بالخطأ الآن ويبين له، وهذا أحب إليه من السكوت الذي تكون عاقبتة سوء عليه في الدنيا وفي الدار الآخرة.
إنه يدري أن ثمة اعترافًا في الدار الآخرة بالأخطاء كلها، فالمنافقون والمشركون والكفار كلهم يعترفون بأخطائهم يوم القيامة اضطرارًا {يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} [النور:24] {وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلا أَبْصَارُكُمْ وَلا جُلُودُكُمْ} [فصلت:22] فهو اعتراف مفضوح لابد لهم منه، ولذلك يقول الأشهاد يوم القيامة: {وَيَقُولُ الْأَشْهَادُ هَؤُلاءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى رَبِّهِمْ أَلا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ} [هود:18] فيعترفون بالخطأ، بل يُفضحون بالخطأ فضحًا على رءوس الأشهاد، بعدما كانوا ينكرونه، ويقولون: {وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ} [الأنعام:23] ويقولون -كما قال الله عز وجل-: {يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعًا فَيَحْلِفُونَ لَهُ كَمَا يَحْلِفُونَ لَكُمْ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ عَلَى شَيْءٍ} [المجادلة:18] فيُفضحون على رءوس الأشهاد يوم القيامة، أما المؤمن فلأنه كان يعترف بخطئه في الدنيا، ويرجع عنه قريبًا ويحب أن يبين له، فإن الله تعالى يستره في الدار الآخرة، ولهذا يُقرر الله تعالى -كما في حديث النجوى من حديث ابن عمر، وهو في الصحيح- {يقرر الله تعالى عبده المؤمن بذنوبه فيدنيه، ويقول: عملت كذا في يوم كذا وكذا وعملت كذا في يوم كذا وكذا، فيقول الله عز وجل: يا عبدي أنا سترتها عليك في الدنيا، وأنا أغفرها لك اليوم، ثم يعطى كتاب حسناته بيمينه} .
إذًا: ما دام أن الخطأ لابد منه عندي وعندك، وعند كل إنسان من البشر، فقبول النقد هو من الكمال البشري.
ونحن نعرف -مثلًا- أن النوم هو كمال، ولو أن إنسانًا لا ينام؛ لكان هذا عيبًا يعالج منه.
وكذلك الأكل والشرب هو كمال للإنسان، ولو فقد الإنسان الشهية؛ لكان هذا أيضًا يعاب به، ويعالج منه ويؤدي به إلى الموت.
ومثله البكاء من خشية الله تعالى كمال، بل حتى البكاء المعتدل في حال المصيبة هو من الكمال البشري.
ولهذا الرسول عليه الصلاة والسلام لما مات ابنه دمعت عينه من دون رفع صوتٍ أو شق جيب أو غير ذلك -مجرد دمعة عين- ولما قالوا له قال: {هذه رحمة يضعها الله في قلوب عباده، وإنما يرحم الله من عباده الرحماء} فهذا القدر ليس نقصًا، بل هو من كمال الإنسان؛ لأن الإنسان بشر فكماله في وجود هذه الأشياء فيه.
وإذا كان النقص مركبًا فيه وهو جزء من طبيعته، فمن الكمال أن يعرف هذا النقص ويعمل على تلافيه.
وأضرب لكم -مثلًا-: عندك شخصان كلاهما ناقص؛ لأن كلًا منهما إنسان، معناه: أن النقص موجود في الشخص الأول، وموجود في الشخص الثاني لابد، فالشخص الأول مُصر لا يعترف بالنقص، بل يجحده وينكره، أو يعرفه ولكنه لا يعترف به أمام الناس، ولا حتى أمام نفسه، فهو يغالط نفسه ودائمًا يدَّعي أنه كامل، وطالما سمعنا أناسًا يصفون أنفسهم بالكمال، يقول: ماذا عليهم من الملاحظات أنا كامل.
زار أحدهم مريضًا مسجى على سريره في المستشفى، فقالوا له: طهور إن شاء الله يا فلان، فقال: طهور! وهل أنا أذنبت حتى تقولوا طهور.
فهذا الشخص عنده نقص من جهتين: الجهة الأولى: النقص الفطري الموجود فيه.
والجهة الثانية: إصراره على الخطأ وعدم اعترافه به.
وأما الشخص الآخر فعنده النقص الفطري الذي هو موجود في البشر كلهم، ولكنه يعرف هذا النقص ويعترف به ويسعى إلى معالجته، ويقول: ليتني أتخلص منه عسى الله أن يعينني، فهذا لاشك أنه أكمل وأعظم.
إذًا الشخص الثاني نقصه واحد، وهو النقص الأصلي الفطري، وله في مقابل هذا النقص كمال، وهو الشجاعة والقدرة على الاعتراف، وكذلك العلم بهذا النقص والعمل على إزالته.
ربما تجد كثيرًا من الناس - مثلًا - يخافون من النقد، لأنهم يعتبرون النقد نوعًا من التنقص والبحث عن العيوب، وأنه لا يصدر إلا من إنسان مبغض أو حاسد أو حاقد، وهذا المفهوم يجب تغييره، وأن يفهم الناس أن الذي ينتقدك هو من يحبك"صديقك من صدقك لا من صدَّقك".
ومنهم من يخاف من النقد -مثلًا- لأنه -كما يقال-: (بنيانه على شفا جرف هار) فبناؤه من زجاج، وهو يخاف من النقد البناء تجنبًا للفضيحة، وسترًا على الهفوات والجرائم التي ارتكبها، سواء كان في ذاته وفي جرائمه، أو على استغلاله لموقعه ومنصبه، أو في موقف من المواقف، أو في هزائم جر الأمة إليها، أو نكبات ورط الأمة فيها، أو أمور أو فضائح أخلاقية، أو مالية، أو اقتصادية، أو عسكرية، أو سياسية أو غير ذلك، فتجد أنه يتستر على هذه الأمور؛ لأنه يعرف أن بناءه من زجاج، وأنه عرضة للفضيحة في أي وقت وفي أي حال، ولذلك يعتبر النقد قضاءً على مصالحه، وأنه إن كان حاكمًا اعتبر النقد تشكيكًا للشعوب في جدارته وصلاحيته، وإن كان عالمًا اعتبر النقد تشكيكًا للطلاب في علمه وفضله، وإن كان داعيةً اعتبر النقد تشكيكًا للأتباع والمريدين في جدارته وصلاحيته، وهكذا.