أهمية الفهم العلمي الموضوعي للكلام الذي تسمعه، في عمومه وفي جملته، فافهم الكلام فهمًا موضوعيًا علميًا، وإياك أن تبني على الكلام قصورًا من الظنون، والتوقعات، والاحتمالات وغير ذلك، فإن هذا سبب في عدم الانتفاع بالعلم، وفي إيذاء الآخرين، والرسول صلى الله عليه وسلم كما في الصحيحين من حديث أبي ذر لما قال له: يا رسول الله! أي العمل أفضل؟ قال: إيمان بالله، وجهاد في سبيله، قال: قلت: يا رسول الله! أي الرقاب أفضل؟ قال: أغلاها ثمنًا، وأنفسها عند أهلها قلت يا رسول الله: فإن لم أفعل، قال: تعين صانعًا، أو تصنع لأخرق.
قلت: يا رسول الله، أرأيت إن ضعفت عن بعض العمل؟ قال: تكف شرك عن الناس؛ فإنها صدقة منك على نفسك إن لم تنفع فلا أَقَلَّ من أن لا تضر، ولا تؤذي الناس بالظنون، والأوهام، والاحتمالات، وما أشبه ذلك من الأمور التي هي تضرك أنت قبل أن تضر غيرك، بل قد لا تضر غيرك بحال من الأحوال إلا أذى.
فينبغي ألا تحمل من الكلام ما لا يدل عليه، فإن هذا داء طالما شكا منه أهل العلم، وإنني أعجب أن أقرأ كلامًا للشاطبي في كتابه القيم العظيم الاعتصام نقله، ثم نقل كلامًا آخر يشبهه للإمام ابن بطة -رحمة الله على الجميع- يقول بعد كلام طويل"وتارة أضيف إلي القول بجواز القيام على الأئمة، وما أضافوه إلا من عدم ذكري لهم في الخطبة -يقوله الشاطبي - وذكرهم فيها محدث، لم يكن عليه من تقدم."
وتارة أُحْمَلُ على التزام الحرج، والتنطع في الدين -يعني: أنه ينسب إلى هذا- وإنما حملهم على ذلك أني التزمت في التكليف والفتيا الحمل على مشهور المذهب الملتزم، لا أتعداه، وهم يتعدونه، ويفتون بما يسهل على السائل ويوافق هواه، وإن كان شاذًا في المذهب الملتزم، أو في غيره، وأئمة أهل العلم على خلاف ذلك وللمسألة بسط في كتاب الموافقات"."
على كل حال لا يلزم أن يكون ما يذكره الشاطبي من هذه المسائل موافقًا عليه، لكني أذكر الكلام للغرض الذي تعرفونه، ولا داعي لأن نتعقب كلامه في موضوعات لا تتعلق بالهدف المقصود.
قال:"وتارة نُسبت إلى معاداة أولياء الله، وسبب ذلك أنني عاديت بعض الفقراء المبتدعين المخالفين للسنة، المنتصبين بزعمهم في هداية الخلق، وتكلمت للجمهور على جملة من أحوال هؤلاء الذين نسبوا أنفسهم إلى الصوفية ولم يتشبهوا بهم."
وتارة نسبت إلى مخالفة السنة والجماعة، بناءً منهم على أن الجماعة التي أمر باتباعها، وهي الناجية، ما عليه العموم ولم يعلموا أن الجماعة ما كان عليه النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه والتابعون لهم بإحسان، وسيأتي بيان ذلك بحول الله، وكذبوا عليَّ في جميع ذلك، أو وهموا، والحمد لله على كل حال"."
"فكنت على حالة تشبه حالة الإمام الشهير عبد الرحمن بن بطة الحافظ مع أهل زمانه، إذ حكى عن نفسه فقال: عجبت من حالي وسفري وفي حضري، مع الأقربين مني والأبعدين، والعارفين والمنكرين، فإني وجدت في مكة وخراسان وغيرهما من الأماكن، أكثر من لقيت بها، موافقًا، أو مخالفًا، دعاني إلى متابعته على ما يقوله، تصديق قوله والشهادة له، فإن كنت صدقته فيما أقول، وأجزت له ذلك، كما يفعله أهل هذا الزمان، سماني موافقًا -إذا وافقته على كل اجتهاداته وآرائه، خطئها وصوابها، قال: هذا موافق، وهذا جيد، هذا معنى كلامه: سماني موافقًا- وإن وقفت في حرف من قوله، أو في شيء من فعله، سماني مخالفًا."
وإن ذكرت في واحد منها أن الكتاب والسنة بخلاف ذلك وارد، سماني خارجيًا، وإن قرأت عليه حديثًا في التوحيد سماني مشبهًا، وإن كان في الرؤية سماني سالميًا، وإن كان في الإيمان سماني مرجئًا، وإن كان في الأعمال سماني قدريًا، وإن كان في المعرفة سماني كراميًا، وإن كانت في فضائل أبي بكر وعمر سماني ناصبيًا، وإن كان في فضائل أهل البيت سماني رافضيًا، وإن سكت عن تفسير آية أو حديث فلم أجب فيهما إلا بهما سماني ظاهريًا، وإن أجبت بغيرهما سماني باطنيًا، وإن أجبت بتأويل سماني أشعريًا، وإن جحدتهما سماني معتزليًا، وإن كانت السنن مثل القراءة -كأنه يعني: القراءة في الصلاة، الجهر أو نحو ذلك- سماني شافعيًا، وإن كان في القنوت سماني حنفيًا، وإن كان في القرآن سماني حنبليًا، وإن ذكرت رجحان ما ذهب إليه كل واحد من الأخيار إذ ليس في الحكم والحديث محاباة، قالوا: طعن في تزكيتهم.
ثم أعجب من ذلك أنهم يسمونني فيما يقرءون عليَّ من أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم ما يشتهون من هذه الأسماء، ومهما وافقتُ بعضهم عادني غيره، وإن داهنت جماعتهم أسخطت الله تبارك وتعالى، ولن يغنوا عني من الله شيئًا، وإني مستمسك بالكتاب والسنة، وأستغفر الله الذي لا إله إلا هو وهو الغفور الرحيم"."
ما أعجب ما يقوله ابن بطة! كأنه يتكلم عن أهل زماننا ما عندهم إلا حكم بالجملة، ما عندهم حكم بالتقسيط.
ليس عندهم حكم على المسألة، إنما عندهم حكم على قائلها، وعلى معتقدها، وعلى من ذهب إليها، وعلى وعلى نسأل الله العفو والعافية والمسامحة! قال الإمام الشاطبي رحمه الله:"هذا تمام الحكاية".
فكأنه رحمه الله تكلم على لسان الجميع، فقلما تجد عالمًا مشهورًا، أو فاضلًا مذكورًا، إلا وقد نُبز بهذه الأمور، أو بعضها، لأن الهوى قد يداخل المخالف، بل إن سبب الخروج عن السنة الجهل بها والهوى المتبع الغالب على أهل الخلاف، فإذا كان كذلك حمل على صاحب السنة أنه غير صاحبها، ورجع بالتشنيع عليه، والتقبيح لقوله وفعله، حتى ينسب هذه المناسب، فهذه مسألة أخرى ينبغي التفطن لها.