السؤالنحن الآن كأننا بدأنا نتحدث عن بداية طلب العلم، فنريد أن تفصل لنا قليلًا في هذا الموضوع، وتذكر مراحل العلم الأخرى، وأبرز المشايخ الذين تلقيت على أيديهم العلم، وكان لهم أثر في حياتك العلمية؟
الجواببعدما انتقلنا من القرية إلى المدينة إلى بريدة، وكنت في آخر السنة الثانية الابتدائية؛ التحقت بمدرسة ابتدائية تسمى مدرسة الأندلس، أو سميت فيما بعد الأندلس، وتخرجت منها.
ثم التحقت بالمعهد العلمي ببريدة، وفيه قضيت ست سنوات دراسية، وكان المعهد يضم نخبة من فضلاء مشايخ البلد -على سبيل المثال- منهم الشيخ صالح السكيتي رحمه الله، والشيخ علي الضالع رحمه الله، والشيخ صالح البليهي رحمه الله، وأمثالهم كثير.
فكانت دراستي في المعهد قد أتاحت لي فرصة الجلوس بين أيديهم، والأخذ من علمهم وأخلاقهم، واستفدت من ذلك -بحمد الله- فائدة كبيرة.
كما أن التحاقي بالمعهد أتاح لي فرصة الاستفادة من مكتبة المعهد آنذاك، وكانت عامرة بالعديد من الكتب، وهناك مكتبة للإعارة، وتُجدد وقتًا بعد وقت، فتضم عددًا كبيرًا من الكتب الجديدة التي يحتاج الناس إليها، فاستفدت منها -بحمد الله- فائدة كبيرة، وكانت بداية طيبة لتنمية العلوم الإسلامية، سواء بالاستفادة من أولئك المشايخ الفضلاء، أم بالاستفادة من تلك الكتب التي كانت موجودة في مكتبة المعهد.
ولا يفوتني أن أقول: إنه قبل ذلك، وفي أواخر المدرسة الابتدائية، كانت هناك بعض القصص الموجودة عند الصغار، والتي قد لا تخدم القضية التربوية بشكل جيد، لكن ربما لضعف الموجه في تلك الفترة، كالقصص الصغيرة التي ما زالت متداولة في أيدي الطلاب الصغار اليوم، وربما قرأت منها قدرًا كبيرًا، وأذكر أنني كنت وإخواني نتناوب قراءتها، حتى أن الواحد ليقف على رأس الآخر؛ ينتظر أن ينتهي من هذه القصة حتى يأخذها ليقرأها بدوره.
فكنا نقرأ بنهم، لكن لا نجد المادة المفيدة، فلما كتب الله تعالى وصرت إلى المعهد العلمي والتقيت بشيوخ، بل وبطلاب خاصة من يكبرونني في السن، استفدت منهم فائدة كبيرة؛ حيث توجهت إلى قراءة الكتب العلمية المفيدة والاستفادة من المشايخ.
حتى أني أذكر أنني كنت أذهب مع والدي رحمه الله إلى الدكان، حيث كان يبيع، فكنت أحضر معي باستمرار كتابًا أو أكثر، ولأن الأهل كانوا يخوفوننا في تلك الفترة من العين، كنت أخفي الكتاب في وسط دفتر اليومية، فيظن من يأتي أنني أسجل حسابات أو شيئًا من هذا القبيل، وأنا كنت أقرأ، حتى أنني قرأت في أحد الإجازات الصيفية ما يزيد على ستين كتابًا، بعضها يصل إلى مائتين أو إلى ثلاثمائة صفحة، وغالبها كتب مفيدة، وإن كان يغلب عليها طابع التاريخ أو القصص، أو أشياء من هذا القبيل، وفيها ولا شك كتب توجيهية، وكتب في العقيدة، وكتب علمية، وأذكر منها الأصمعيات، الذي جُمعت فيه عيون الشعر العربي القديم، وكنت أحاول أن أتحفظ شيئًا منها.
أما فيما يتعلق بالشيوخ؛ ففضلًا عمن ذكرت من المشايخ، فلعلي أؤكد على فضيلة الشيخ صالح البليهي رحمه الله، فهو من الشيوخ الذين أفتخر بالانتساب إليهم، لأن الرجل كان على سعة علمه رحمه الله وذلك يبرز من خلال كتابه السلسبيل، بالدرجة الأولى، وجهوده العلمية الأخرى.
كان الرجل يتمتع بأخلاق عالية، وكرم السجايا والطباع، وليونة مع الناس، وحسن استقبال للطلاب، وحسن تربيتهم، ولذلك ألفته نفسي وكنت أتردد عليه في منزله، وأستفيد من علمه ومن خلقه، وأرجو أن يكون الله تعالى نفعني بشيء من ذلك.
وإن كان من شيء يؤسى عليه؛ فهو أن الشيخ رحمه الله توفي في الوقت الذي كنت مسافرًا إلى أمريكا لحضور مؤتمر جمعية الكتاب والسنة في عام مضى، فهناك أخبرونا بوفاته رحمه الله وما حصل في جنازته من جمع غفير؛ يذكرنا بما تكلم فيه المؤرخون عن علماء سابقين؛ كما حصل للإمام أحمد، ولـ ابن تيمية، ولـ ابن الجوزي، ولغيرهم من العلماء رحمهم الله تعالى.
فضلًا عن علماء آخرين؛ لم يُكتب لي أن أتتلمذ عليهم على مقاعد الدراسة، لكنني استفدت من علمهم بالحضور في مجالسهم العلمية، أو قراءة بعض الكتب عليهم، منهم الشيخ محمد بن صالح بن العثيمين، حيث كنت أحضر دروسه اليومية في الإجازات الصيفية، وهي دروس طويلة تستمر -أحيانًا- إلى أكثر من ساعتين ونصف، أو ثلاث ساعات وزيادة، فكنت أحاول حضورها ما استطعت، وأستفيد منها، وهي دروس منوعة، في التفسير والحديث والفقه والأصول والفرائض، وغيرها من أنواع العلوم.
فضلًا عن مجالساتي للشيخ واستفادتي من علمه بقدر المستطاع، وكذلك شيخنا الشيخ محمد بن صالح المنصور، وهو قاضٍ سابق من علماء بريدة، وأفرح بمجالسته كثيرًا، وأستفيد من علمه، وقد قرأت عليه قدرًا لا بأس به من كتاب الروض المربع في الفقه الحنبلي، ولا زلت أطمع في تكميل هذا الكتاب على يديه، والاستفادة منه، مهما كثرت المشاغل والصوارف.
ومنهم شيخنا الشيخ حمود بن عبد الله العقل، حيث حضرت عددًا من دروسه في الجامع الكبير، حيث يدرس العقيدة الطحاوية، واستفدت منها، وكان يدرس مع العقيدة الطحاوية النحو في شرح ألفية ابن مالك.
والتحقت بعد المعهد بكلية الشريعة، واستفدت من عدد من الأساتذة من الإخوة السعوديين وغيرهم، في كافة العلوم المدرسة في هذه الكلية.
ومما يفخر به كل طالب علم أو طويلب علم؛ أن يكون التقى أو أخذ ولو نزرًا يسيرًا، عن سماحة الوالد الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز، فهو تاج العلماء في هذا العصر، وإمامهم وواسطة العقد فيهم.
ولهذا سعيت إلى لقائه كثيرًا، وحصل أن استفدت منه -والحمد لله- في بعض المسائل، حيث أستغل الجلوس معه، على أن هذه الجلسات قد لا تكون انفرادية، لكن أحرص على استغلالها في بعض الأسئلة المشكلة لاستيضاح رأي الشيخ فيها، والاستفادة منه، سواء في المسائل الفقهية، أو في رأيه في بعض الأحاديث -درجة بعض الأحاديث النبوية- أو الجمع بين ما يشكل من الأحاديث، أو ما أشبه ذلك، وأسأل الله تعالى أن ينفعنا بما علمنا، إنه على كل شيء قدير.