ومن ألوان تحميل الآخرين المسئولية: اعتقادك أن الساحة ملأى، وأنه لم يعد هناك مجال! والحمد لله أن الخير كثير والأصوات كثيرة، والعلماء كثيرون، وليس هناك مجال لك، وهذا خطأ، فالله عز وجل يقول: {فَقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لا تُكَلَّفُ إِلَّا نَفْسَكَ} [النساء:84] وأنت إذا اعتذرت عن أعمال الخير الآن بحجة أن الساحة مليئة، فأخشى أن تعتذر يوم القيامة عن دخول الجنة، كما في الحديث الصحيح: {إن الله عز وجل قال لرجل: اذهب فادخل الجنة، فذهب فلما اقترب منها وجد أنها ملأى -خيل إليه- فقال: يا رب إني وجدتها ملأى! فقال له الله عز وجل: اذهب فإن لك مثل الدنيا وعشرة أمثالها} فهذا من آخر من يدخل الجنة، فربما تتأخر منزلتك في الجنة بسبب تأخرك عن العمل الصالح الآن بحجة أن الساحة ملأى، وأن الأخيار كثيرون! أما الشرع فهو في هذا واضح، فلم يعطك الشرع حجة، ولا ترك لك مجالًا للاعتذار بأن هناك كفاية في عدد الدعاة أو الآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر، أو المصلحين أو المجاهدين أو الباذلين في سبيل الله، أو بأي لون من ألوان الخير، مثلًا: يقول ربنا جل وعلا: {وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلائِفَ الْأَرْضِ وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ} [الأنعام:165] كلكم بشر كلكم خلائف في الأرض، وكلكم مبتلون بما أعطاكم الله تعالى، سواءً كان علمًا أم جاهًا أم مالًا أم شجاعة أم رياسة أم إدارة أم خط رسم أم خطابة أم بلاغة، أم منزلة، أم أي لون من ألوان المواهب والعطايا ابتليت بها، يقول تعالى: {وَكُلَّ إِنْسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنْشُورًا} [الإسراء:13] {إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا * لَقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدًّا * وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا} [مريم:93-95] ويقول النبي صلى الله عليه وسلم: {كلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته} وهو في الصحيحين، وفي الحديث الآخر وهو عند الترمذي وهو صحيح: {لن تزول قدما عبد يوم القيامة حتى يسأل عن أربع: عن، عمره، وعن شبابه، وعن ماله، وعن علمه ماذا عمل به} .
كذلك قول الله تعالى: {لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا} [البقرة:286] فبعض الإخوة يفرح مما يفهمه من الآية، لكن يا أخي هذه حجة عليك، لماذا أنت تفهم من الآية الإعفاء، ولم تفهم من الآية المسؤولية؟ فالله تعالى كلفك وسعك، ولم يكلفك ما هو فوق وسعك، فالبعض إذا احتج على ترك العمل، قال: لا يكلف الله نفسًا إلا وسعها، ولا يدري أن هذا دليل على أن الله قد كلفك وسعك وطاقتك، فنحتج عليك به على أنك مسئول قبل أن تحتج به على أنك غير مسئول وعلى أنك غير مكلف.
ومثله أن بعض الإخوة يقول: يا أخي من الورع أن أترك هذا، فيرى أن الورع في ترك الشيء، ولا يذكرون أن الورع - أحيانًا- في فعل الشيء، نعم من الورع ترك المكروه، وترك الذي يشتبه بالمكروه، أو يشتبه أنه من الحرام، وهذا كله من الورع، لكن أيضًا ألست تعرف أن من الورع أن تفعل ما يشتبه أن يكون واجبًا، أو يشتبه أن يكون مستحبًا عليك؟ فالشبيه بالمستحب أو الواجب من الورع يجب عليك أن تفعله، لكن تجدنا دائمًا نحب ترك العمل! ولهذا فالورع الذي فيه ترك يمكن أن نتركه، لكن الورع الذي فيه فعل نتأخر عن فعله؛ لأننا دائمًا وأبدًا نتأخر إلى الوراء، ولا نرغب في أن نقوم بعمل، فهذا هو العجز كما ذكرته قبل قليل.
تجدنا نقرأ هذه الآية: {لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا} [البقرة:286] وننسى أن معنى الآية أن الله تعالى قد كلفنا تكليفًا شرعيًا أن نعمل بكل وسعنا.
بقى لنا في موضوع الحيل النفسية موضوع التسويف وموضوع اليأس، وموضوع تعظيم الأمر أو تهوينه، وأتركها لأن الوقت ضاق.
وأسأل الله تعالى أن يجعل ما قلته سببًا إلى أن نقوم جميعًا بما أوجب الله تعالى علينا من الأقوال والأفعال، ونجاهد في سبيل الله كما أمر الله، وأسأل الله تعالى لي ولكم التوفيق.