فهرس الكتاب

الصفحة 344 من 10422

الميدان الأول هو ميدان النفس البشرية: فالإنسان -كما أسلفت- قابل للخير والشر والهدى والضلال قال تعالى: {وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا * فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا * إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا} [الشمس:7-9] .

فالإنسان عنده قابلية للخير والشر، وكذلك الإنسان حين يكون خيرًا لا يعني أن عناصر وعوامل الشر زالت منه بالكلية، بل النفس الأمارة بالسوء موجودة، وكيد الشيطان موجود، ولذلك قد يحدث من الإنسان المستقيم أن يخطئ، أو يضل، أو ينحرف عن هذا الطريق، أو يتركه حينًا ثم يعود إليه، وبالمقابل؛ الإنسان المنحرف والضال لا يعني أنه أصبح شيطانًا رجيمًا متمحضًا للشر، بل قد يحدث منه أحيانًا أن يستقيم ويهتدي إلى الخير، بل وحتى حين يكون مصرًا على الشر الذي هو فيه لا تظن أبدًا أنه لا تثور في نفسه نوازع الخير.

لقد حدثني أناس قضوا زمانًا طويلًا في ميادين الشر والفساد والانحراف أن قلوبهم كانت تغلي أحيانًا بمراجل الهم والندم والحزن والرغبة في الإقلاع ولا تغتر بمظاهر أو بعبارات أو بعض اندفاعات أو أشياء يحاول الإنسان بها أن يظهر أنه طبيعي وأنه لا يحس، لا أعتقد أبدًا أن إنسانًا مسلمًا يفعل المعصية ويظل فرحًا مسرورًا بها أبدًا، المؤمن قد يعصي ولكنه لا يمكن أن يفرح ويطمئن بها؛ بل لا بد أن يوجد في قلبه ندم على هذه المعصية، ولذلك يقول الله سبحانه وتعالى في صفة المؤمنين: {وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ} [آل عمران:135] وفي الحديث عند الترمذي وغيره أن النبي صلى الله عليه وسلم ذكر: {أن القلب فيه لمة للملك، ولمة للشيطان؛ فلمة الملك إيعاد إلى الخير وحث عليه، ولمة الشيطان إيعاد إلى الشر وتكذيب بالحق} .

فالإنسان الطيب لا يخلو من وجود شيء من الشر يحتاج إلى مدافعة وإزالة ومقاومة، ولذلك لا بد من جهاد النفس، ولا يمكن أن نقول: إن هذا الإنسان وصل كما تقول الصوفية بأن عندهم الإنسان قد يصل إلى مرحلة يسمونها مرحلة سقوط التكاليف، وقد قيل لـ أبي علي الروذباري وهو من أئمة أهل السنة والجماعة: إن فلانًا يزعم أنه وصل، قال: صدق، ولكن إلى سقر.

فليس هناك مرحلة يصل فيها الإنسان وتسقط عنه التكاليف، قال تعالى: {وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ} [الحجر:99] أي: حتى يأتيك الموت، فاليقين هاهنا المقصود به الموت.

وبالمقابل الإنسان الشرير لا يوجد ما يدعو إلى اليأس منه، واعتقاد أن هذا الإنسان لا خير فيه، رب كلمة توافق قلبًا فتدخل فيه وتغيره رأسًا على عقب، وقد تكون كلمة عادية، قد تكون كلمة هادئة، اسأل الذين اهتدوا: فبعضهم سمع برنامجًا في الإذاعة، أو سمع كلمة طيبة من أحد فتأثر بها، وربما يكون الذي قال هذه الكلمة لم يحسب لها حسابًا لكنها صادفت قبولًا في هذا الإنسان، فغيرت معالمه ظاهرًا وباطنًا، وهذا يوجب للإنسان الصالح ألا يغتر بنفسه؛ لأنه قد يتغلب عنصر الشر يومًا من الأيام فيتحول والعياذ بالله ويجب ألا ييأس الإنسان من نفسه ولا من غيره.

فأما اليأس من الناس فإني رأيت أن من مداخل الشيطان العظيمة على النفوس أنه - أحيانًا - قد يأتي لإنسان فيه خير وصلاح، مثلًا: رجل صالح مع قوم صالحين، أو إنسان يؤم الناس في الصلاة أو يعلمهم العلم أو يقرئهم القرآن، أو يدعوهم إلى الله تعالى، وقد يكون عنده معصية خفيه لا يعلمها الناس، فيأتيه الشيطان في الخلوة فيقول: أنت منافق! أمام الناس تتظاهر بشيء، وفي واقعك عندك معاصي وعندك كذا وعندك كذا، فلا يزال به حتى -لا أقول- يقنعه بترك المعصية، فهذا ليس من شأن الشيطان؛ لكن لا يزال به حتى يقنعه بترك الطاعة التي هو فيها ويقول: كن منطقيًا مع نفسك لا داعي أن تقف أمام الناس تدعوهم إلى الخير، وأنت تعرف أن عندك معصية في السر.

وقد علمت أيضًا أن هناك من الصالحين من انحرف لهذا السبب، ونقول: العلاج ليس أن الإنسان يترك العوامل الطيبة في نفسه استجابةً لطاعة الشيطان، بل نقول: ضاعف الأمور الخيرية في نفسك، وقاوم المعصية بقدر ما تستطيع النجاة منها، وحتى ولو لم تستطع لها اليوم أو غدًا فليس الحل أن تترك أعمال الخير، كلا! وهذا ليس بنفاق، خطأ أن تتوقع أن هذا من النفاق، لأن عدم الرغبة في نفسك، وكره المعصية، والحرص على التخلص منها يدل على خير، وليس المطلوب أن تجاهر بمعصيتك أو تعلنها للناس حتى تكون منطقيًا مع نفسك، وليس مطلوبًا منك أن تترك أعمال الخير حتى تتمحض لهذه المعصية ويتفرد بك الشيطان، فهذا مزلق خطير ينتبه له الإنسان فلا ييأس الإنسان من نفسه، ولا ييأس من غيره أيضًا، يمكن أن تأمر الإنسان مرة أو مرتين أو عشر مرات، تقول: فلان والله أعذرت معه، نعم، نحن لا نقل: أعذرت بل عليك واجب شرعي فأنت قمت بالواجب عليك وانتهت مهمتك؛ لكن إن كنت داعية فلا تيأس إن كنت أمرته عشرين مرة فربما يستجيب لك بعد المرة العشرين فجرب!

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت