الأدب الخامس: البدء بمواضع الاتفاق والإجماع، والبدء بالمسلمات والبدهيات، فمن المصلحة ألا تهجم على قضية مختلف عليها، بل ابدأ بموضوع متفق عليه: بقاعدة كلية، بمسلمة أو بدهية، وتدرج منها إلى ما يشبهها أو ما يقاربها، ثم إلى مواضع الخلاف، ومما يذكر عن سقراط وهو أحد حكماء اليونان أنه كان يبدأ الآخرين بنقاط الاتفاق بينهما، ويسأله أسئلة لا يملك الخصم إلا أن يجيب عليها: بنعم، فكلما ما سأله قال: نعم، ويظل ينقله إلى الجواب تلو الجواب، حتى يرى المناظر أنه أصبح يقر بفكرة كان يرفضها من قبل.
وأضرب لك مثالًا على قضية الانتقال من الكليات إلى الجزئيات، ومن المسلمات إلى غير المسلمات: مثلًا يخاصمك إنسان في قضية أساليب الدعوة إلى الله تعالى، وهل هذه الأساليب أساليب توقيفية -أي: أنه لا بد أن يكون هناك نص على أسلوب الدعوة- أم أنها أساليب اجتهادية متجددة يمكن الأخذ بأي أسلوب ولو لم يكن منصوصًا عليه إذا لم يكن هذا الأسلوب حرامًا.
ومثاله الأناشيد: فقد يقول قائل: الأناشيد أسلوب من أساليب الدعوة، ويقول آخر: لا، أساليب الدعوة توقيفية، والأناشيد لم ترد في الكتاب ولا في السنة، فلا يجوز استخدام الأناشيد كأسلوب من أساليب الدعوة، وهذا يختلف فيه بعض العلماء وبعض الدعاة في هذا العصر، ويتحاورون فيه وفي رأيي أنه يمكن أن تبدأ بهذا السؤال في نقاش حول موضوع الأناشيد -موضوع جزئي شكلي ليس هناك مانع لكن للإيضاح فقط- تبدأ بهذا
السؤاللو أن إنسانًا أنشد نشيدًا ليس في معصية، ولا في باطل محرم، وليس فيه دف ولا مزمار ولا غيره، وهذا الكلام أنشده على سبيل الترويح عن النفس، أو قطع عناء الطريق في سفر؛ فهل يحرم هذا أو لا يحرم؟ فسيقول لك الطرف الآخر: لا يحرم هذا، ثم تنتقل وتسأله سؤالًا آخر: هل يوجد شيء في الشريعة يكون مباحًا غير حرام بشرط عدم إصلاح النية فيه؟ فإذا صلحت النية كان هذا الشيء حرامًا؟ سيقول لك: لا.
إذًا: أنت ناقشته في موضوع الأناشيد، فبدأت معه بنشيد ليس فيه إثم ولا كلام باطل ولا دف ولا غيره، وهل يجوز أم لا يجوز للمؤانسة أو للترويح عن النفس؟ قال: نعم يجوز، ثم تنتقل إلى سؤال آخر: هل يوجد في الشرع شيء يمكن أن يكون مباحًا بشرط عدم إصلاح النية، فإذا صلحت النية كان حرامًا؟ سيقول لك: لا، لأن صلاح النية إذا لم يجعل الحرام حلالًا فمن باب الأولى أنه لا يجعل الحلال حرامًا.
إذًا: فمن أين لك أن قراءة بعض الأناشيد بنية صالحة بهدف إشغال الناس عن الغناء المحرم، أو رفع معنوياتهم، أو تلقينهم الحكم والمعاني الرفيعة أن هذا العلم يكون حرامًا؟ وقد يقول بعض الناس: إن هذه عبادة، والعبادة توقيفية، فيقول: من أين لك أن هذا داخل في باب العبادة التي هي القربى؟! فالعبادة أنواع: فقد تطلق العبادة على العبادات التوقيفية التي هي القرب: كالصلاة والحج فصفة الصلاة أو صفة الحج أو إحداث صلاة جديدة؛ هذا لا يجوز، لأن الصلاة توقيفية وقربة محضة إلى الله تعالى، لكن هناك أعمال أخرى يمكن أن يكون الإنسان مأجورًا عليها ولا يطلق عليها أنها قربة محضة إلى الله تعالى، حتى الرسول صلى الله عليه وسلم قال: {وفي بضع أحدكم صدقة} وليس معنى ذلك أن جماع الإنسان لزوجته يكون عبادة بذاته، لكن يؤجر عليه الإنسان، وليس قربة محضة إلى الله عز وجل.
وبالمناسبة لا بد من ضوابط الأناشيد بطبيعة الحال؛ مثل عدم الإكثار منه، ومثل كونه ليس فيه معانٍ سيئة، وألا يكون مصحوبًا بآلات محرمة مثلًا، إلى غير ذلك.