أمرٌ آخر لا بد أن تعده الأمة بعد الإيمان وهو التعبئة الدائمة، وذلك لأن الإنسان من طبيعته أن ينسى، والإيمان قد يغطي عليه الغبار، والنفوس تخلد إلى الراحة والترف ويفعل فيها النعيم والترف شيئًا عظيمًا من الضعف؛ وحب العافية وإيثار السلامة وكراهية الجهاد والتضحية، وهنا تأتي وسائل التربية والإعلام في الأمة.
إن دور وسائل الإعلام في الأمة أن تنفخ هذا الغبار دائمًا وتنفخ في الأمة روح الجهاد والبسالة، والتضحية، والفداء، بحيث أن هذه الوسائل تؤدي دورها بشكلٍ صحيح، في تصحيح العقيدة، والسلوك، والدعوة إلى الجهاد في سبيل الله، وتحديد من هو العدو ومن هو الصديق هذه مهمة وسائل الإعلام في الأمة الإسلامية.
أيها الإخوة: إن الناس إذا وقع لهم ما وقع فإنهم يحتاجون من يذكرهم بالله عز وجل، ويشدهم إلى الإيمان، يذكرهم بوجوب التوبة، ووجوب الاستغفار، ووجوب الذكر والدعاء، ورفع القلوب إلى الله، والتوكل عليه عز وجل إلى غير ذلك من المعاني التي تحتاجها الأمة، فما بالك إذا كان إعلام الأمة مشغولًا بأمورٍ أخرى بعيدة كل البعد عن هذا، وكأنه لا يعيش في حالة حربٍ حقيقية، فتجد أنه مشغول بأمور أحسن ما تقول عنها: أنها تافهة، لسنا بحاجة إلى طبق اليوم، كما أننا لسنا بحاجة إلى النكت والطرائف، كما أننا لسنا بحاجة إلى تمثيليات شعبية، كما أننا لسنا بحاجة إلى قصائد، فهذا كله قد لا يكون له حاجة أصلًا، وبعضه يمكن أن يكون له حاجة في وقتٍ آخر، لكن الأمة بحاجة إلى تعبئة قوية تقوم بها كل وسائل الأمة التي ائتمنتها الأمة على أفلاذ أكبادها وعلى عقائدها وأخلاقها ودينها أن تقوم بدورها الحقيقي في هذا المجال.
أيها الإخوة: لعلي أضرب مثلًا واحدًا كلكم تسمعون ما يأتي بأجهزة الإعلام من التنبيه على الوسائل الوقائية التي يتقي بها الناس في حال وجود غازات أو أسلحة كيماوية، هذا شيء كلنا سمعه، فما هو أثر هذا الأمر على الناس؟ كثير من الناس أصيبوا بالرعب والفزع، والسبب هو أنهم لم يتعودوا على مثل هذا الأمر، وأنا لا أكتم أنني أرى أن مثل هذه الطريقة مناسبة، أعني طريقة استخدام أجهزة الإعلام -كما تحدثت قبل قليل- في إزالة الغبار عن الناس، هل سنظل دائمًا أمة خاوية خامدة خائفة صوت الطائرة في الجو يفزعنا، ورؤية السلاح تخيفنا!! هل سنظل هكذا؟! إذا كنا أمة إسلامية مجاهدة فإننا لا يمكن أن نظل هكذا بحالٍ من الأحوال، ولذلك فإن هذا الأمر الذي نسمع به الآن سواء أكان إعلانات عبر أجهزة الإعلام في تنبيه الناس؛ أم حتى -مثلًا- الأجراس التي تطلق للتنبيه أو للتدريب، أقول كل هذا لا غبار عليه لماذا؟ لكي لا يكون الناس خائفين، الإنسان بطبيعته كما يقول أبو ذؤيب الهذلي: والنفس طامعةٌ إذا أطمعتها وإذا ترد إلى قليل تقنع فكثيرٌ من الدول التي تعيش حالة حروب مثل لبنان أو أفغانستان أو غيرها تجد أن مجموعة يموت نصفهم في المعركة والباقون يذهبون يأكلون الغداء أو العشاء في المطعم، فلم يعودوا يبالون بهذه القضية، ولم يعد الخوف الذي يسيطر على النفوس موجودًا عندهم، وهذا أمر لا يمكن أن يزول من النفوس إلا بالتدريب والممارسة.
إنَّ دور أجهزة الإعلام ليس دورًا محصورًا اليوم أو أمس أو غدًا، بل هو دور أصلًا من الماضي للحاضر للمستقبل، يجب أن يستمر دائمًا وأبدًا ينفض الغبار عن قلوب الناس، ويزيل الخوف منهم، فأنت من الممكن أن تخاف اليوم، لكن غدًا يصبح الأمر عاديًا عندك، فلا تهتم بهذا الشيء، وهذه من الأشياء التي تفتقدها الأمة بلا شك وتحتاج إليها كثيرًا، فدور الإعلام هو أن يرفع معنويات الأمة ويعبئها، بحيث يمكن أن يحقق للأمة نصرًا حقيقيًا لا تحققه بالسلاح المادي.
وأضرب بذلك مثلًا تاريخيًا وما حصل في الجزيرة المسماة كريت ويسمونها قريطش في المصادر الغربية، وكانت جزيرة في البحر المتوسط، كانت تخرج منها الجيوش لغزو الروم، فتضايق الروم منها وجهزوا أسطولًا حربيًا ضخمًا لحصار هذه الجزيرة الصغيرة، وفعلًا جاءوا وحاصروا هذه الجزيرة حصارًا اقتصاديًا طويلًا، ظل الناس فيها شهرًا وشهرين حتى نفدت المؤن والأرزاق، وكاد الناس أن يموتوا من شدة الجوع؛ ولم يكن أمام الناس مفر إلا الاستسلام، ففكروا أن يستسلموا، وكان في وسط الجزيرة رجل منعزل للعبادة والذكر، ليس له بهم علاقة فلما رأوا ما هم فيه أتوا إليه، وقالوا له: يا فلان الأمر كما ترى فبماذا تنصحنا؟ سألهم: هل عندكم أسلحة؟ قالوا: لا.
قال: هل عندكم قوت؟ قالوا: لا.
قال: هل عندكم مؤن؟ قالوا: لا.
قال: هل عندكم أموال؟ قالوا: لا.
قال: ماذا بقي لكم؟ قالوا: لم يبق لنا شيء مطلقًا، فكل الإمكانيات المادية ضاعت منهم، قال: إذا كان في الصباح فاجمعوا لي رجالكم ونساءكم وأطفالكم ودوابكم واجعلوها في صعيدٍ واحد.
فجمعوا كل ما لديهم واجتمعوا عن آخرهم، فقام الرجل وخطب فيهم خطبة بليغة وذكرهم بالله عز وجل وربط قلوبهم به، وجعلهم يدركون أن النصر من عنده وأن من نصره الله فلا تهزمه قوةٌ في الدنيا مهما كانت؛ حتى قويت قلوبهم، فقال لهم: هلموا إلى مدخل المدينة -وهو الباب الذي يحيط به الروم المحاصرين لها- فلما اجتمعوا فتح الباب بسرعة وقال لهم: عجلوا الآن إلى الله عز وجل وقولوا: الله أكبر! فاندفعوا إلى الروم اندفاعةً واحدة، وهم يصرخون بالتكبير: الله أكبر، الله أكبر، فلما رأى الروم هذا المشهد فزعوا وفوجئوا وظنوا أن المسلمين يمتلكون قوة قد خبئوها لهم وأنهم يستعدون لهم، فنزلوا بسرعة إلى سفنهم وهربوا في عرض البحر، وأنجى الله تعالى هذه المدينة من غير أسلحة مادية وإنما من خلال ما يمكن أن نعبر عنه بأجهزة الإعلام التي وظفت وسخرت لجعل الأمة أمة مجاهدة فعلًا، أمة في حالة من التعبئة والقوة تستطيع أن تتغلب على عدوها وتنازله بإيمانها بالله عز وجل.