من الأسباب التي يعتذر بها بعضهم، أنهم يقولون: إن المسلمين هناك يعيشون في جو من الانحراف والفساد، وأنهم غير ملتزمين بالدين، وكثير منهم -كما يقولون- بعضهم مسلمون بالاسم فقط، وأقول: هب أن الأمر كذلك، ألا تعرف أنه من ضمن تعاليم سيدنا المصطفى صلى الله عليه وآله وسلم، كما في حديث أبي هريرة في الصحيحين أن امرأة بغي زانية سقت كلبًا، فشكر الله لها، فغفر الله لها، {امرأة نزلت إلى بئر فشربت، ثم صعدت، فوجدت كلبًا يلحس الثرى من شدة العطش، فقالت: لقد بلغ هذا الكلب من العطش مثل الذي بلغ بي، فنزعت خفها، ونزلت البئر وملأته ماءً، ثم عضته بفمها وصعدت، ثم سقت الكلب، فشكر الله لها، فغفر الله لها، قالوا: يا رسول الله، وإن لنا في البهائم لأجرًا، قال عليه الصلاة والسلام: في كل كبد رطبة أجر} المسلم المنحرف أليس ذا كبد رطبة؟! يا أخي لو سقيت الكلب، يجازيك الله خيرًا، وهذا مسلم، إنسان، لا تسقيه يقول: إني جائع فأطعمني، إني عارٍ فاكسني، إنني عطشان فاسقني، ويقول -أيضًا-: إنني جاهل فعلمني، يا أخي، الفقر والجوع والعرى جو غير مناسب للدعوة إطلاقًا.
ثم ليس من اللائق أبدًا، أن تقف على رأس إنسان يتضور ويتلوى من الجوع والعطش في ظل الهجير، أو في ظل البرد القارس، وتقول له لا أعطيك الماء حتى تكون كذا، وكذا، وكذا، ولا أطعمك حتى تلتزم بكذا وكذا وكذا، أبدًا هذا غير لائق، ولا يأتي الدين بمثل هذا! اسقه وأطعمه واكسه، وانصره، ثم قل له: إن الإسلام هو الذي يجمع بيني وبينك، وهو الذي دعاني لأسقيك وأطعمك، وهو الذي يقتضي منك أيها المسلم أن تكون مستقيمًا، صالحًا، مؤمنًا، عابدًا، تقيًا، زاهدًا، ورعًا، إلى غير ذلك.
وإذا لم تفعل أيها المسلم، وامتنعت عن دعم أخيك المسلم بحجة انحرافه، فإن مؤسسات التنصير، وهي كثيرة في الغرب جدًا، والأوقاف التي توقفت لهم، ومساعدات البنوك الهائلة التي تصب في جيوب المنصرين، لن تتردد أبدًا في دعم هؤلاء، وهي تقدم لهم الطعام، والشراب، والدواء، والكساء، بيد، وتقدم لهم الإنجيل والتنصير بيد أخرى، ولعلك تعلم أن مؤسسة واحدة،"مؤسسة فرانكلين"على ما اعتقد في بريطانيا طبعت من الإنجيل أكثر من ستمائة ألف نسخة، خاصة لمنطقة الخليج العربي خلال حوالي ثلاثة أو أربعة شهور فقط، هذا ومنطقة الخليج العربي: منطقة إسلامية بحتة، النصارى فيها عدد محدود جدًا، فما بالك بالمناطق التي يوجد فيها الوثنيون، ما بالك بالمناطق التي يوجد فيها مسلمون جهلة، فقراء، ضعفاء، عراة، عطاش، والتنصير يشتغل على قدم وساق، رأيتُ بعيني عمارات فخمة في أرقى المواقع في أمريكا وغيرها، أوقاف خاصة بالمؤسسات التنصيرية، والبنوك ملزمة بأن تدفع للجمعيات التي يسمونها خيرية أموالًا ضخمة جدًا، تلك المؤسسات والمنظمات تقدم لها تسهيلات غريبة في الغرب، أقلها أنها تُعفى من جميع الرسوم والضرائب؛ حتى تقوم بمهمتها خير قيام، إذًا: ليس وجود الانحراف عند المسلمين حجة تحول بيننا وبين دعمهم.