أيها الأحبة: إن من السهل أن نصحح كثيرًا من القضايا الجزئية، والقضايا الفرعية بجرة قلم -كما يقال- لكن من الصعب جدًا أن نغير القضايا الأصولية والقضايا الكلية، والمفترض أن يكون اهتمامنا بتغيير وتصحيح القضايا الكلية والقضايا الأصلية هو الأهم؛ لأنه إذا صلحت الأصول، وصلحت الكليات، وصلحت القواعد، صلحت تبعًا لذلك الفروع، وهذا لا يعارض أبدًا العناية بإصلاح الفروع، فالأنبياء كان أحدهم يبعث لقوم ويأمرهم بالتوحيد، قال تعالى: {أَوْفُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ} [هود:85] يأمرهم بهذا وذلك في نفس الوقت، لكن العناية بالأصل كانت الأعظم بلا شك، وهي المنطلق، ومن هذا المنطلق دعا إلى تصحيح الفرع، فهو ما جاءهم ليقول لهم -مثلًا-: أريد أن أحدث عندكم إصلاحًا اقتصاديًا، لا إنما جاء يدعوهم إلى التوحيد، وبناءً على دعوة التوحيد، يبين لهم أن ما هم فيه يخالف هذه العقيدة ويخالف المبدأ الذي جاءهم به.
ومن ذلك قضية الأمور الاقتصادية، أي بناء الاقتصاد على غير الإسلام، أو بناء الأمور الاجتماعية على غير الإسلام، أو بناء الأمور السياسية، أو الإدارية على غير الإسلام، أو بناء الأمور العلمية على غير الإسلام، أو بناء الأمور الفنية أو الإعلامية على غير الإسلام، فالأصل هو الدعوة إلى القضايا الكلية الأصولية، والقواعد التي بصلاحها تصلح الفروع، وهذا أيضًا لا يمنع من بذل الوسع والاجتهاد في إصلاح الفروع بقدر المستطاع، على أن لا يلهينا ذلك ولا ينسينا العناية بإصلاح الأصول.