ومن خلال هذين التعريفين الموجزين تلاحظون: أولًا: أن المقياس في معرفة المعروف والمنكر ليس هو عرف الناس وتقاليدهم والأمر الشائع بينهم، فإن عرف الناس متقلب، وقد يعرف الناس اليوم شيئًا ويألفونه ويعتادون عليه، وينكرونه غدًا، وقد ينكرون اليوم شيئًا ويقومون ضده ثم يستسلمون له غدًا ويألفونه ويعملون به، فالمقياس في تحديد المعروف والمنكر هو الشرع وليس العرف، وكم جرى في أعراف الناس من المنكرات الكبيرة.
أرأيت -مثلًا- إعفاء اللحية إنه معروف في عرف الشرع، أمر به النبي صلى الله عليه وسلم، كما في حديث أبي هريرة وابن عمر وغيرهما في الصحيح، لكن قد يشيع عند الناس ضد ذلك من إزالة الشعور وحلقها، فيصبح إعفاء اللحية في بعض البيئات والمجتمعات، أمرًا منكرًا مستغربًا، لم يعتده الناس ولم يألفوه.
أرأيت تشمير الثياب ورفعها إلى ما فوق الكعبين أو إلى منتصف الساق أو إلى ما دون الركبة، هذا أمر ثبت في الشرع، ولكن كثيرًا من المجتمعات لا تعرف هذا الأمر، إنما تعرف إطالة الثياب وإرخاءها وإسبالها، خاصة في الرجال، أما النساء فعلى العكس من ذلك، فإذا رأوا رجلًا قد رفع ثوبه إلى نصف الساق أو دون ذلك أو فوقه؛ بدأوا يتغامزون ويتناظرون وقد يتضاحكون، فهذا معروف بالشرع، لكنه منكر في بعض البيئات والمجتمعات.
أرأيت احتجاب المرأة هو أمر عرف بالشرع قرآنًا وسنة أنه ثابت ومعروف، لكن قد يجهل بعض المسلمين هذا الأمر في بعض المجتمعات، فإذا رأوا امرأة قد تسترت وتحجبت، ضحكوا منها! وقالوا: ما شأن هذه المرأة تمشي وكأنها خيمة؟ وكما قال بعضهم، وقال آخرون: هذه المرأة إنما تسترت لأنها دميمة، فتريد أن تستر قبحها عن الناس.
في مثل تلك المجتعمات أصبح منكرًا يستغرب فاعله، وعلى الضد من ذلك، كم من منكر أصبح مألوفًا ومعروفًا في بعض المجتمعات.
الغناء -مثلًا- حين يقوم إنسان يحرم الغناء ويذكر الأحاديث الصريحة فيه، تجد كثيرًا من الناس يفغرون أفواههم ويفتحون عيونهم مستغربين! هذا الغناء الذي نسمعه في الإذاعات وأجهزة التلفاز وأشرطة التسجيل، وربما يسمعون -أحيانًا- من بعض المنتسبين إلى العلم من يبيحه، لا يقع في آذانهم قط أنه منكر، بل قد ألفوه وعرفته نفوسهم وسكنت إليه، فصار في عرفهم معروفًا، وهو في الشرع منكر.
أرأيت الربا الذي شاع وذاع بين المسلمين في بنوكهم وصارفهم ومؤسساتهم حتى لا يكاد يخلو منه إلا القليل، وأصبح الأمر كما قال عليه الصلاة والسلام في الحديث الذي رواه البخاري: {يأتي على الناس زمان لا يبالي المرء فيما أخذ من حلال أو من حرام؟} حين يتحدث الإنسان عن تحريمه، أو عن تحريم بعض صوره الشائعة عند الناس، تجد كثيرين منهم يفاجئون ويستغربون، وقد يرمون هذا المتحدث بالعظائم؛ لأنه يستنكر أمرًا ألفوه وعرفوه واطمأنت إليه نفوسهم، فصاروا لا يظنون إلا أنه عين المعروف، وهو في الشرع منكر.
أرأيت الصور، وخاصة الصور الخليعة من صور النساء الفاتنات التي انتشرت بين المسلمين اليوم عبر الكتاب والمجلة والشريط والمسرحية، أو التمثيلية، أو غيرها هذه الصور التي أصبحت تقابل عين الإنسان في الطائرة، في السيارة، في البقالة، في البيت، في السوق، في المدرسة، في كل مكان، حين ينشأ عليها الإنسان ويألفها تصبح عادية في نظره، وحين يسمع إنسانًا يقول: إن النظر إلى صور النساء في المجلات والأفلام وغيرها لا يجوز! يستغرب ذلك، ويقول: هذا مسكين، إن الناس اليوم يعانون من النظر إلى الفواحش والمشاهد الجنسية المؤذية واللقطات.
ولا أقول -كما يقول بعض المتفائلين-: المخلة بالحياء، بل اللقطات التي تقضي على الحياء وتئده، وتراهم يقولون: الناس مشغلون بهذه الأشياء بينما هذا الإنسان لا زال يتحدث، عن منع النظر إلى الصور، صارت القضية معروفة عند كثير من الناس، لماذا؟ لأن القضية انتشرت وذاعت وشاعت، فأصبحت تقابل الإنسان في كل مكان فتَطبَّعَ عليها واعتادها، وأصبح لا يستنكرها.
وهكذا تبرج النساء والاختلاط وغير ذلك من المنكرات، قد يعتادها الناس في مجتمع ما، فتصبح في عرفهم معروفًا، لكن عرف الناس لا يغير الشرع، ولهذا ينبغي أن نلاحظ من خلال تعريف المعروف والمنكر، أن المعروف: هو ما عرف بالشرع والعقل حسنه، لأن كل ما جاء به الشرع فالعقل يدل عليه، كل ما جاء الشرع بتحسينه، فالعقل يدل على تحسينه، العقل السليم والفطرة السليمة، وأن المنكر: هو كل ما دل الشرع والعقل على قبحه وفساده، وكل ما جاء الشرع بتقبيحه، فالعقل يدل على تقبيحه.
أما أعراف الناس فلا عبرة بها؛ لأن أعراف الناس قد تصبح سقيمة في وقت من الأوقات، فترى المنكر معروفًا والمعروف منكرًا.
الأمر الآخر الذي يلاحظ من خلال هذه التعريف، أن الأصل في المجتمع المسلم أنه يعرف المعروف ويقره ويرضاه ويأمر به، وأنه ينكر المنكر ويرفضه ويأباه وينهى عنه، هذا هو المجتمع السليم.