فهرس الكتاب

الصفحة 7960 من 10422

قال الله تعالى: {وَانْطَلَقَ الْمَلَأُ مِنْهُمْ أَنِ امْشُوا وَاصْبِرُوا عَلَى آلِهَتِكُمْ إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ يُرَادُ} [ص:6] يعني أن قريشًا يوصي بعضهم بعضًا بالصبر على دينهم دين الشرك، لماذا؟ قالوا: لأن هذا شيءٌ يراد أي: أن محمدًا يريد أن يكون رئيسًا وسيدًا وملكًا وحاكمًا عليكم، ويريد المقاصد الدنيوية، وليس قصده وجه الله، ولا قصده الدعوة إلى الله، والنجاة في الدار الآخرة، وإنما قصده أن يصل إلى الحكم.

وانظر كيف يغالطون أنفسهم، لأنهم جاءوا إلى الرسول صلى الله عليه وسلم وقالوا: إن كنت تريد ملكًا ملكناك، وإن كنت تريد مالًا أعطيناك حتى تكون أغنانا، وإن كنت تريد الزواج اخترنا لك أجمل فتاة في مكة وزوجناك، فلما انتهوا قرأ عليهم شيئًا من القرآن، ومع ذلك لما رأوا صبره وإصراره قالوا: إن هذا لشيء يراد.

ومن قبل قال فرعون وقومه عن موسى وهارون عليهما الصلاة والسلام: {قَالُوا أَجِئْتَنَا لِتَلْفِتَنَا عَمَّا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا وَتَكُونَ لَكُمَا الْكِبْرِيَاءُ فِي الْأَرْضِ وَمَا نَحْنُ لَكُمَا بِمُؤْمِنِينَ} [يونس:78] ففرعون من أجل أن يضمن نفوس الجماهير أن لا تميل مع موسى ولا تتأثر بدعوته، حاول أن يضع حاجزًا، ما هو هذا الحاجز؟ الحاجز أن فرعون كان يقول لموسى ولاحظ كيف التناقض عند فرعون فهو رجل يقول للناس {مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي} [القصص:38] {أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى} [النازعات:24] ويبتز الناس، ويأخذ أموالهم، ويأخذ خيراتهم، ويفرض الضرائب عليهم، ويأخذ من يريد من بناتهم، ويستبد حتى يريدهم أن يعبدوه، ومع ذلك لما دعا موسى ماذا قال؟ -قال: {أَجِئْتَنَا لِتَلْفِتَنَا عَمَّا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا وَتَكُونَ لَكُمَا الْكِبْرِيَاءُ فِي الْأَرْضِ} [يونس:78] فيقول للناس: هذان موسى وهارون يريدان أن تكون لهما الكبرياء في الأرض، وأنت ماذا تفعل الآن؟! لقد مارست ألوانًا من فرض الذل على الناس! تقتل أبناءهم وتستحيي نساءهم من أجل الخدمة؛ ومن أجل أن تتمتع بهن متاعًا حيوانيًا بهيميًا، ولما قام موسى وهارون يدعوان إلى الله تعالى، ويدعوان الناس إلى الخروج من طغيانك ومن تسلطك ومن بطشك، تقول: وتكون لكما الكبرياء في الأرض وما نحن لكما بمؤمنين!! وليس الغريب أمر فرعون فإن فرعون طاغية أحس بالخطر فأصبح يضرب يمنة ويسرة بلا عقل ولا تفكير، ولكن الغريب أمر تلك الجماهير المضللة التي تصدقه وتطيعه وتتابعه فيما يقول، هؤلاء الجنود الذين قاوموا موسى عليه السلام وحاربوه ومشوا وراءه حتى وصلوا إلى البحر، هؤلاء الجنود أين عقولهم؟! أين تفكيرهم؟! أين إدراكهم؟! أين إنسانيتهم؟! {فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ} [الزخرف:54] .

المهم أن فرعون ومن بعده من أعداء الرسل عليهم الصلاة والسلام كانوا يشككون الناس في نيات الرسل، وفي مقاصدهم، وأنهم لا يقصدون نجاة الناس؛ وإنما يقصدون التسلط على الناس وأن تكون لهم الكبرياء، وأن يصلوا إلى الحكم، هذا الكلام قيل حرفيًا عن الرسل عليهم الصلاة والسلام، وذكره الله تعالى في كتابه حتى يعتبر به المعتبرون: {مَا يُقَالُ لَكَ إِلَّا مَا قَدْ قِيلَ لِلرُّسُلِ مِنْ قَبْلِكَ} [فصلت:43] هذه الكلمات معادة، وهذا شريطٌ مكرر: {أَتَوَاصَوْا بِهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ} [الذاريات:53] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت