بقي لدينا قضية مهمة، وهي قضية عملية، تتعلق بكيفية البحث عن الحديث في المعجم، وكذلك نُتبع هذه الكيفية بذكر حديث واحد، نلتزم تخريجه من المعجم، ثم من المصادر التي أحالوا إليها، ونشير في ذلك إلى نحو ما أشرنا في الأنموذج الذي خرجناه من كتاب تحفة الأشراف.
ففيما يتعلق بكيفية البحث عن الحديث في المعجم، نفترض أن عند الباحث حديثًا ما، يريد أن يخرجه من المعجم، فنقول له: اختر من هذا الحديث الذي بين يديك كلمة، (أي كلمة) وطبعًا هنا لا يعنينا شيء من الإسناد، لا اسم الصحابي ولا غيره، إنما يهمنا متن الحديث أو بعض ألفاظ الحديث، حتى لو لم نعرف -أيضًا- موضوع الحديث، يهمنا أن يكون بين أيدينا بعض ألفاظ الحديث، فنختار منها لفظة ما، شريطة ألا تكون لفظة متداولة، مثل كلمة (قال) لأننا ذكرنا أن الألفاظ المتداولة استبعدت من المعجم، وألا تكون حرفًا مثل (على، ومن، وإلى، وعند، إن) فهذه مستبعده، وألا تكون من أسماء الأماكن أو أسماء الأعلام المحضة، فهذه قلنا أنهم لم يطبعوها؛ هي موجودة، لكنها لم تطبع ولم تتداول مع المعجم.
وإنما يختار الباحث إما فعلًا: سواء كان مضارعًا، أو ماضيًا، أو أمرًا، أو اسمًا أيًا كان هذا الاسم، وليس المقصود بالاسم العلم، إنما مشتقًا: كاسم الفاعل أو اسم المفعول، فيختار هذا الشيء، ثم يحول هذا الذي بين يديه إلى الفعل الماضي المجرد، يعني يحذف الزوائد، ثم يعيد المنقلب من الحروف إلى أصله، فمثلًا (عاد) عندنا الألف في (عاد) أصلها واو، لأن أصل (عاد) : (عود) لأن (عاد، يعود، عودًا، وعودة) فالألف أصلها واو، فيعيدها إلى أصلها، فإذا أراد الباحث يبحث عن (عاد) في مادة (عود) وكذلك (قال) في مادة (قول) وهكذا.
إذًا، يحذف جميع الزيادات الموجودة في المادة التي بين يديه ويثبت الأصول، ثم يعيد المنقلبات من الحروف إلى أصلها، ثم يعتمد على الفعل الثلاثي الماضي المجرد، فمثلًا: عندنا كلمة (صابر) هذا فعل ماض ولكنه ليس مجردًا، وإنما هو مزيد بالألف، فأنت حينما تريد البحث عنه، احذف الزوائد وابحث عنه في مادة (صبر) : وحين تصل إلى المادة (صبر) تجاوز المادة المجردة، وانتقل إلى المادة المزيدة، لأنك سوف تجد (صابر) في زمرة الأفعال المزيدة بحرف، ثم ابحث داخل المادة بعد ما تعثر على المادة في المعجم، ابحث عن بغيتك داخل المادة بحسب التسلسل المشار إليه سابقًا، حيث ذكرنا أنهم يذكرون الأفعال، ثم الأسماء، ثم المشتقات.
فأنت بعدما تصل إلى المادة، انظر إلى المادة التي بين يديك الآن، يعني قولنا: احذف الزوائد وأعد المنقلبات إلى أصلها، وأعدها إلى الفعل الماضي المجرد، المقصود فيه: سهولة الوصول إلى المادة من حيث الجملة في المعجم.
فمثلًا: {أن رجلًا قتل صبرًا} (صبرًا) هنا لا بد أن ترجعها إلى فعل ماضي ثلاثي مجرد، وهو (صبر) حتى تصل إلى مادة (صبر) في المعجم، وعندما تصل إليها في المعجم، هنا تعود إلى المادة التي عندك أصلًا وهي (صبرًا) حيث أنها مصدر منون، فتبحث عنها في آخر المادة، فبعدما تصل إلى المادة في المعجم؛ تبحث عن اللفظة الموجودة عندك في الحديث حسب التسلسل المشار إليه سابقًا، إن كانت فعلًا ففي الأفعال، أو اسمًا ففي الأسماء، أو مشتقًا ففي المشتقات، وفي داخل الأفعال أو الأسماء أو المشتقات تبحث عنها في مظانها، فإن كانت فعلًا ماضيًا ففي الماضي، أو مضارعًا ففي المضارع، أو أمرًا ففي الأمر، وإن كانت اسمًا مرفوعًا ففي المرفوع، أو مجرورًا بالإضافة ففي المجرور بالإضافة، أو مجرورًا بحرف الجر ففي المجرور بحرف الجر، أو منصوبًا ففي المنصوب.
وإن كانت مشتقًا اسم فاعل، فهي في اسم الفاعل، ثم في اسم المفعول، ثم في الصفة المشبهة، ثم في أفعل التفضيل، وأخيرًا في المصدر، فتبحث عن المادة بحسب هذا التسلسل، ثم تجد بغيتك فتنقله، فتجدهم ذكروا طرفًا من الحديث الذي تريد، فتنقل إحالاتهم بكاملها، ثم تترجم -أيضًا- هذه الإحالات وبدقة، لئلا تقع في الخطأ، وتتذكر ما قلنا من اختلاف الإحالات، فقد يحيلون إلى رقم الباب وقد يحيلون إلى رقم الحديث.
بعد ما تنقل هذه الإحالات بكاملها، يُقترح أن تبحث عن لفظة أخرى، وتبحث عن الحديث بواسطة هذه اللفظة، فمثلًا حديث: {إنما الأعمال بالنيات} تبحث عنه في المرة الأولى في مادة (عمل) ثم في الأسماء (الأعمال) .
المرة الثانية: ابحث عنه في مادة (نوى) (النيات) لأنهم قد يحيلونك في مادة على ما لم يحيلونك عليه في مادة أخرى، فتكتسب بذلك مخارج جديدة للحديث، وتطمئن إلى بعض المخارج التي أحالوك إليها في أكثر من موضع، بذلك تكون مهمتك في المعجم انتهت، وأرجو أن تكون طريقتنا هنا واضحة ليس فيها أي التباس، أو غموض.