حب الوطن أمر فطري غريزي.
لا يلام الإنسان عليه؛ إنما إن كان هذا الحب صرف في مرضاة الله، فدافع الإنسان عن وطن الإسلام وحماه من الكفار، ومن أعداء الإسلام الذين يريدون أن يحتلونه بالسلاح؛ أو الذين يريدون أن يفرضوا عليه الفساد والانحلال؛ فهذا محمود، وإن كان حب الوطن يدعو الإنسان إلى ترك الهجرة، وإلى ترك الجهاد، وإلى ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وإلى ترك الدعوة؛ فهذا مذموم.
فحب الوطن بذاته غريزة، والشيطان يستثمر هذه الغريزة، فيحاول أن يحرك هذه الغريزة في نفس الإنسان؛ ليمنعه بها من أعمال الخير؛ بل ليجعل الوطن وثنًا يعبد من دون الله عز وجل.
أحد الشعراء المنحرفين واسمه صلاح بن عبد الصبور، من شعراء مصر، يتغنى بوطنه ويقول: الشمس أجمل في بلادي حتى السماء هناك أجمل أي أن الشمس في بلده أجمل من الشمس في أي بلد آخر! والسماء في بلده، أجمل من السماء في بلدٍ آخر! والأمر هو هو؛ لكنه يشير أو يريد أن يقول: إن حبه لوطنه جعل الأشياء كلها الموجودة في وطنه أحب إليه من الأشياء نفسها حين تكون موجودة في بلد آخر.
شاعر آخر: وهو خير الدين الزركلي من شعراء أهل الشام، وهي قصيدة كانت تُغنى وتذاع في وسائل الإعلام، فيما أخبرني بعض الإخوة الثقات، يقول: وطني لو صوروه لي وثنًا لهممت ألثم ذلك الوثنا أي أنه مستعد أن يقبل هذا الوثن ما دام هو الوطن.
إذًا: الوطنية هي في كثير من الأحيان وثنية، ومن العجيب جدًا أن شاعرًا هو أحمد شوقي الشاعر المشهور _أيضًا_ وكل هؤلاء مع الأسف شعراء من المنتسبين إلى الإسلام! ذاك من شعراء النصرانية الذي يقول قائلهم: هبو لي دينًا يجعل العُرب أمةً وسيروا بجثماني على دين برهم ألا حبذا كفر يوحد بيننا وأهلًا وسهلًا بعده بجهنمِ دعك من هؤلاء فهم كفارٌ نصارى؛ لكن المصيبة أن يكون المسلم ضحية هذه الوثنية التي يسمونها الآن الوطنية!! أحمد شوقي يقول مخاطبًا بلاده بعد سفرًا طويل: ويا وطني لقيتك بعد يأس كأني قد لقيت بك الشباباأدير إليك قبل البيت وجهي إذا فُهت الشهادة والمتابا! يا للعجب!! رجل يتفوه بالشهادتين وبالتوبة وأي توبة هذه لمن يقول: أدير إليك قبل البيت وجهي؟!! وليس المقصود الحديث عن فلان أو فلان، فهؤلاء قدموا لما عملوا، ولعلهم تابوا من هذه الأشياء، ولعل الله ختم لهم أو لبعضهم بخير، فالله أعلم، وليس المقصود الحكم على فلان، أو على علان، إنما المقصود الإشارة إلى أن الشيطان وجنده، والمناهج الجاهلية تستغل محبة الوطن الغريزية الموجودة عند الإنسان لتجعلها وثنية؛ بحيث يقدس الإنسان هذا الوطن ويصلي ويسجد إليه، ويضحي بأشياء كثيرة مطلوبة في الشرع محافظةً على هذا الوطن، وحبًا له.
وهذا الأمر -مع الآسف- أصبح اليوم نغمة يكثر الصحفيون والإعلاميون والكُتَّاب وغيرهم من الطرق عليها؛ ويعتبرون قضية الوطنية والوطن -في كثير من الأحيان- قضيةً أعظم حتى من قضية الدين.
فمن الواجب -فعلًا- أن ننتبه إلى أن هذا مزلق يستغله كثيرٌ من أعداء الإسلام، لصرف عبودية المسلم من عبوديته لله عز وجل إلى العبودية لهذا الوثن، الذي يسمى الوطن؛ مع أن القضية ظاهرة فحب الوطن بحد ذاته أمرٌ لا يحمد ولا يذم، إن كان فيه خير فهو محمود، وإن كان فيه شر فهو مذموم كحب المال، كحب الزوجة، والولد {فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ} [المؤمنون:6] .
فالشيطان يأتي للإنسان الذي يريد أن يهاجر، ويقول له: تهاجر، وتذر أرضك وسماءك! ويستمر الشيطان في الحديث والإغراء، فيقول لهذا الإنسان: وإنما مثل المهاجر كمثل الفرس في الطول، أي: مثل الفرس المربوط بالحبل الطول هو الحبل: فأنت إذا هاجرت تهاجر إلى بلد لا تعرفه، وإلى ناس لا تعرفهم، ليس لك أقارب، القبيلة مختلفة، ليس لديك وسائل لكسب المال؛ فأنت تصبح مربوطًا هناك، لا تستطيع أن تذهب ولا أن تأتي؛ فاترك الهجرة وابقَ في وطنك، قال صلى الله عليه وسلم: {فعصاه فهاجر} .