أيها الأخ الكريم: لا تحقرن من الذنوب شيئًا؛ فإنها تجتمع على الرجل حتى توبقه في نار جهنم، ماذا كانت الخطوة الأولى في المعصية؟ ربما كانت -كما حدثني ذلك الأخ الكريم المشار إليه- نظرة دافعها حب الاستطلاع لا غير، تمر من عنده المرأة فيقول: أريد أن أنظر هل هذه المرأة محجبة فعلًا؟ هل هي لابسة للقفازات؟ هل هي قد أسبلت ثوبها فلا يُرى من قدمها شيء؟ فإذا نظر إليها بهذه النظرة؛ فربما كانت هذه النظرة بداية للفتنة.
أو يقع في يده كتاب، فيقول: أريد أن أنظر ماذا يحتوي، وعلى ماذا يشتمل، أو يتصل به هاتف في أول الليل أو في آخره لا يدري أذكر هو أو أنثى؛ فيقول: أريد أن أعرف، أريد أن أدري ماذا يقصد أريد وأريد ثم تكون تلك هي بداية الطريق الطويل كما قال سبحانه: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ} [النور:21] إنه يغزل لك غزلًا طويلًا، ويرسم لك طريقًا لا تدري أين بدايته؛ ولكنك تدري نهايته.
ثم ينتقل بعد ذلك إلى جرك إلى الكأس الأولى، والكأس الأولى قد تكون كأس خمر؛ لكن هذا ليس ضروريًا -وقد يعبر بالخمر عن غيرها- فقد تكون سيجارة، وقد تكون أغنية في شريط، وقد تكون علاقة تقتصر أول الأمر على حديث بريء -كما يقال- وقد تكون سفرة مع رفقة سوء، وقد تكون جلسة لمجرد المتعة وإزجاء وقت الفراغ، ثم يجر ذلك إلى ما بعده -وقد يظن الظان أنه يمنع نفسه- ولا يدري أنه إذا انزلق في هذا الطريق فقد لا يكون له قرارٌ إلا في ذلك الوادي السحيق.
ولهذا قال الله تعالى: {وَلَكِنَّكُمْ فَتَنْتُمْ أَنْفُسَكُمْ وَتَرَبَّصْتُمْ وَارْتَبْتُمْ} [الحديد:14] .
فالعبد فتن نفسه حينما أوقعها في أول المعاصي؛ ثم انتقل إلى الخطوة الثالثة، وهي: أن نفسه تعلقت بهذه الأمور، فأصبحت تستحسنها وتستعذبها، وربما يكون صاحب المعصية -أحيانًا- يجد لذة في معصيته أثناء مواقعتها، ثم يجد بعد ذلك ندمًا في قلبه وحسرة؛ ثم تزول هذه الحسرة ويرجع إلى المعصية، وهكذا يظل عمره ضائعًا بين شهوة يتلذذ بها، وحسرة يتبعها إياها، وينتهي الأمر بعد ذلك إلى أن تصبح المعصية جزءًا من تكوينه وشخصيته وحياته؛ فلا يطيق بعدًا عنها، ولا يصبر عن أصحابها.
فيكون هذا الأمر والعياذ بالله! آخر ما يتصور الإنسان أنه ينتهي إليه، وربما كان الواحد يفعل المعصية وهو يبكي، لأن هذه المعصية أصبحت جزءًا من حياته، سرت في دمه، ورسخت في قلبه، وتصورها في عينه؛ فإذا غاب عنها قفز خياله إليها.
وإني أعرف الكثيرين من هؤلاء، يتمنى كثير منهم الخلاص، ولكن شباك الشيطان قد أحكمت من حوله، فهو يصيح ويمد يده ولكن الأمر عظيم؛ لأن المعصية قد أصبحت شجرة في حياته، فامتدت جذورها في التربة، وبسقت، وتعرضت سيقانها، وهو: قد ضعفت إرادته وفترت همته، وقل إيمانه، فلا يستطيع أن يتخلص منها.