أخيرًا أقول: إن التربية الجهادية هي تربية شمولية في وسائلها، فليست شكلية وقتية محدودة، ولكنها تشترك فيها جميع مؤسسات المجتمع بلا استثناء، فالبيت يربي والأم عصب فيه، والمسجد يربي ولذلك كان أول عمل فعله النبي صلى الله عليه وسلم في المدينة هو بناء المسجد، فالمسجد كان مكان التدريس، والتعبئة، والعبادة، بل وحتى مكان التدريب في بعض الأحيان كما في الصحيحين وغيرهما، والحديث في المسجد يعني اختيار الإمام للحديث الذي يحدث به الجماعة، هذا نوع من التعبئة والتربية والتدريب، وقد لاحظت أن بعض الناس إذا حدث عن أحاديث الجهاد، وذكر بالجهاد والاستشهاد في سبيل الله، فإن هذا يعينه حتى في الإقبال على الصلاة وغيرها.
إن خطبة الجمعة تعتبر منبرًا، فتصور كم كلمة تقال، وكم خطيب يتكلم، وكم مستمع، لو أن هذه الخطب وجهت إلى تحريك مشاعر الناس، وربطها بقضية الإسلام الكبرى وهي الجهاد في سبيل الله عز وجل، وإعداد الناس لهذا الهدف، ليس القتال من أجل التراب، لا، إنما القتال من أجل كلمة لا إله إلا الله محمد رسول الله، فليس صحيحًا أن الفلسطيني يقاتل من أجل زيتون يافا أو برتقال حيفا ولا تراب اللد والخليل، أبدًا، فإنه سيجد في الدنيا زيتونًا أحسن من زيتونه، وسيجد برتقالًا أحسن من برتقاله وأفخم، وسيجد أرضًا أخضر من أرضه وسماء أجمل من سمائه، فليست القضية قتالًا على هذا ولا ذاك، وإنما هي تعبئة الناس وإعدادهم ليكونوا مقاتلين في سبيل الله عز وجل.
إن الترابط بين الجماعة في المسجد بالاتصالات فيما بينهم والتزاور والتناصح في ذات الله عز وجل هذا من الإعداد، كذلك الندوات الثقافية والمحاضرات في المساجد.
ومما يستحق الإشادة أننا نجد في مثل هذا العصر: كثرة الدروس والمحاضرات في المساجد في العالم الإسلامي كله من أقصاه إلى أقصاه، فإنك لا تجد بلدًا إلا وتجد فيه دروسًا منتظمة ومحاضرات منوعة في المساجد، وهذا ليس خاصًا بهذه البلاد مع أن هذه البلاد لها نصيب الأسد، لكنه عام في جميع البلاد الإسلامية، وهو ينم عن صحوة إسلامية علمية ثقافية.
أيضًا الدروس في المساجد سواءً كانت دروس قرآن أو دروسًا علمية، فالمقرئ -مثلًا- الذي يحفظ الطلاب القرآن، أليس لائقًا به أن يقف عند آيات الجهاد والاستشهاد، ويحيي في الناس هذه المعاني، أو الشيخ الذي يدرس الناس -مثلًا- كتب السنة أليس لائقًا به أن يقف عند أحاديث الجهاد في سبيل الله عز وجل: كتاب الجهاد كتاب السير والمغازي أخبار المجاهدين في سبيل الله سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم وأصحابه، فلا نريد أن يتخرج إنسان يحفظ القرآن فقط لكنه لا يغار لله ورسوله، ولا نريد أن يتخرج إنسان يحفظ صحيح البخاري وصحيح مسلم ولكنه لا يهمه أن تنقلب الدنيا رأسًا على عقب، نريد إنسانًا يحفظ القرآن، ويحفظ صحيح البخاري، وصحيح مسلم، ومع ذلك يعيش هموم المسلمين ويحزن لأحزانهم، ويسعى إلى الإصلاح بقدر ما يستطيع، ويحاول أن يجاهد في الواقع بكافة الميادين.
أيضًا المدرسة تقوم بتربية علمية وعملية كثيرة، ونشاطات مختلفة علمية وبدنية، ونشاطات صفية وغير صفية، فلا بد أن تشتغل المدرسة الابتدائية، أو المتوسطة، أو الثانوية، أو الجامعة بالتعبئة وإعداد الناس لهذا الأمر.
كذلك وسائل الإعلام يجب أن تربي الناس على الجهاد في سبيل الله عز وجل في كل شيء، حتى الأناشيد التي تبث وتذاع يجب أن تكون أناشيد حماسية تحرك في الناس روح الجهاد في سبيل الله، وترفع الناس عن حضيض الشهوة والمادة والدنيا، ولا يمكن أن نتصور أنا نتغلب على عدونا بحنجرة فلان أو فلانة، كلا، ولا بصوت المغني الفلاني، وإنما نتغلب على عدونا بأن نعد الناس إعدادًا صحيحًا تتظافر فيه جميع الوسائل ومنها وسائل الإعلام، فهي تساهم مساهمة فعالة في بناء المجتمع ويدخل في ذلك التلفزة والإذاعة والصحافة وغيرها، يجب أن تجند كما ذكرت في تعبئة الناس وإعدادهم لمعركة الإسلام الكبرى.